تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

لماذا ستفشل الإمارات مرة أخرى في تونس؟

كاتب المقال نزار بولحية - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


هل يصح في حكامها المثل المعروف «في الصيف ضيعت اللبن» أم أن الفرصة ماتزال سانحة لهم ليحققوا ما فشلوا فيه في السابق؟ لاشك أنكم تذكرون القليل، إنْ لم يكن، الكثير من الحرائق والحروب التي سعوا لإشعالها أو ساهموا في تأجيجها. لكن سيصعب عليكم أن تستحضروا ولو حربا واحدة كانوا سباقين لإخمادها أو تطويقها.

تأملوا جيدا ما فعله ويفعله حكام الإمارات على مر السنوات الأخيرة. ألم يدافعوا فقط عن المستبدين والانقلابيين ويشدوا أزرهم بالمرتزقة واللصوص؟ ألم يرسلوا المال والسلاح لكل الخارجين عن الشرعية والقانون ويديروا خارج أراضيهم سجونا سرية؟ ألم ينتهكوا برا وبحرا وجوا سيادة الجار والشقيق ويتلذذوا بأن حياة الأنظمة الموالية لهم رهينة كبسة زر منهم بفضل ما يمنون عليهم من «رز»؟ ألم يتخط هوسهم حدود الفوز بأفخم المقتنيات وأغلاها إلى كسب العملاء وتغيير السياسات في أكثر من قطر عربي؟ إنهم موجودون الآن بشكل فعلي أما بقواتهم أو بأموالهم في اليمن وليبيا وسوريا ومصر، أي فيما كان معروفا بدول الربيع العربي، وهذا ما يسمح لهم بالتحكم في جزء مهم مما يجري في المنطقة من تطورات وتحولات.

وحتى في الدولة الوحيدة التي نجت مما لحق تلك الدول من انتكاسات فقد تمكنوا من نسج شبكات إخطبوطية أكسبتهم نفوذا وتأثيرا على مجريات الأحداث فيها. غير أن ذلك لم يمكنهم إلى الآن من أن يحققوا مرادهم بالكامل بعد أن عجزوا عن قلب الطاولة ودفن تجربتها الديمقراطية. لقد جربوا ومازالوا يجربون ويبحثون رغم إخفاقهم أكثر من مرة في السابق عن وصفة مثالية تجعلهم يصلون إلى هدفهم ويطفئون آخر شمعة في ليل العرب.

لكنهم يعرفون جيدا أن المهمة لن تكون بسيطة أو سهلة، فالتونسيون يملكون من عناصر القوة والأمان الذاتي ما يجعلهم قادرين بدرجة كبيرة على إبطال كل مغامراتهم ومخططاتهم. فلم تتمكن العصبيات العرقية أو المذهبية التي اكتسحت دولا عربية أخرى ومزقت نسيجها الاجتماعي والسياسي من السيطرة عليهم بعد. وهم يملكون مستوى تعليميا هو الأعلى بالمقارنة بجيرانهم كما أنهم معروفون بانفتاحهم الواسع والملحوظ على الثقافات والحضارات الأجنبية فضلا عن أنهم ينتسبون في غالبيتهم العظمى لعرق واحد ودين واحد وحتى مذهب واحد. كما أن لديهم فضلا عن ذلك مؤسسات صلبة وعريقة وجيشا وطنيا ظل دائما وأبدا بمعزل عن الانخراط المباشر في صنع القرار السياسي أو إدارة الدولة.

لكن هل تكفي كل تلك العناصر حتى تضمن تونس اليوم بشكل بات ونهائي أنها لن تنجرف مرة أخرى نحو حرب أهلية كانت قبل سنوات قليلة فقط على وشك الوقوع فيها ولايزال حكام الإمارات وربما آخرون غيرهم يحاولون جرها إليها بشتى الطرق والأساليب؟ ربما لا يدور في أذهان معظم التونسيين مثل ذلك الهاجس بشكل صريح أو ملح فهم لا يرون أن بلدهم يمكن أن يكون يوما ما ليبيا أو سوريا أو يمنيا حيث تتطاحن الفصائل والعشائر والقبائل والملل والنحل في حروب داحس والغبراء التي لا يعلم إلا الله كم ستستغرق من زمن وكم ستقطف من أعمار وأجيال؟

أما تفسيرهم لذلك فهو إنهم لا يرون أن هناك مبررا لأن تقوم حرب أهلية في بلد متجانس بذل أول رؤسائه جهدا جبارا ليكرس فيه مشاعر الانتماء لما كان يطلق عليها أمة تونسية واحدة. وسعى منذ استلامه السلطة إلى محاربة التعصب للقبيلة والعروش وكل مظاهر التعبير أو الانتماء أو الولاء لها.

صحيح إنهم كانوا ومازالوا يلمسون إلى الآن أشكالا ومظاهر فاضحة من الحيف والجور والتمييز بين جهة وأخرى من جهات تونس الصغيرة مساحة وسكانا، ولكن مثل ذلك التفاوت يحصل في معظم دول العالم ولا يقود بالضرورة للحروب أو حتى لمحاولات الاحتجاج العنيفة. وربما كان تنصيص الدستور الجديد على ضرورة منح تمييز إيجابي للمناطق الداخلية محاولة لإصلاح ذلك الظلم والخطأ التاريخي الذي لحقها على مر عهود طويلة. لكن ما الذي يمكن أن يكسر كل تلك التحصينات الذاتية ويجعل تونس تنحدر، لا سمح الله، نحو حرب الأخ ضد الأخ؟

ربما سيكون من الصعب عليكم أن تتخيلوا أن التوافق الذي تنعم به الآن هو ما يستخدم حجة وذريعة لا لمنع تلك الحرب والوقوف سدا منيعا أمامها بل للنفخ فيها والدعوة المبطنة والمضللة للقفز نحوها. فليس جديدا أن ترتفع أصوات معروفة بولائها للإمارات لتقول الآن بالذات والبلاد تستعد لانتخابات بلدية هي الأولى بعد هروب الرئيس المخلوع بن علي أن لا معنى ولا مستقبل لالتقاء الأضداد الذي حصل بعد آخر انتخابات رئاسية وبرلمانية بين النظام القديم وبين الإسلاميين.

وليس جديدا أيضا أن تكرر تلك الأصوات ما كانت تقوله دوما من أن التوافق هو مجرد صفقة شخصية تمت بين شيخين هما الرئيس قائد السبسي والشيخ الغنوشي لن يطول مفعولها أو يمتد في حال غياب أحدهما أوكليهما لسبب من الأسباب أو حتى في حال تغير الظرف ووصول لغة الحوار والتفاهم بينهما إلى طريق مسدود. أما البديل لذلك والذي ستفعله تونس من دون توافق حتى هش ومحدود فهذا ما لا يكشف عنه لا السياسيون ولا الإعلاميون المعارضون له أو المتضررون من استمراره. ولأجل ذلك فهم يكتفون بتساقط تصريحات الطرفين بحثا عن جملة أو كلمة قد يسارعون لتحويلها فتيلا لتفجير الحرب في أي لحظة.

والغريب هنا هو أنه كلما حصل استقرار نسبي في تونس وبدأ الحديث عن بوادر لتعافي الاقتصاد تجدد الحديث عن أزمة حكومية أو برلمانية أو حتى عن أزمة سياسية تقتضي مراجعة نظام الحكم أو حتى نظام الاقتراع. ولعلكم تذكرون جيدا ما قاله الشيخ الغنوشي يوما من أن المسار الديمقراطي في تونس رهين رصاصة. لقد صار ذلك المسار اليوم وبمرور الزمن رهين أشياء أخرى أقل كلفة ودموية من الرصاص الحي مثل كلمة أو قرار أو خطاب.

لكن مع ذلك فهناك عوامل موضوعية تجعل فرضية الحرب التي تدفع لها الإمارات رغم كل شيء بعيدة بعض الشيء وغير واقعية. فإشعال حريق إضافي في هذا الظرف بالذات بين ليبيا التي بدأت تظهر عليها علامات التعافي النسبي وباتت تتهيأ، ربما لانتخابات برلمانية وحتى رئاسية، وبين الجزائر التي لا يزال الغموض يلف مستقبلها ما بعد بوتفليقة لن يكون في مصلحة أي من البلدين. وسيلقى بالتأكيد رفضا قاطعا من الجزائر بالخصوص حيث سترى فيه خطرا مباشرا عليها. كما أنه قد يسبب إشكالات ومتاعب إضافية للقوى الأوروبية الكبرى التي لا ترغب في مشاهدة النيران على مرمى بيتها.

ولذا فإن أقصى ما قد تستطيع الإمارات وحلفاؤها إنجازه هو التشويش على تونس. ومادامت المقدمات نفسها تؤدي للنتائج نفسها، ومادام حكامها مصرين دوما على اختيار الجواد الخاسر ذاته، فإنهم سيراكمون بالضرورة فشلا جديدا سيكون وصمة في سجلهم الحافل فقط بصنع الحروب وإشعالها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإمارات العربية، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 5-04-2018   المصدر: القدس العربي

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
الهيثم زعفان، محمد عمر غرس الله، أحمد الغريب، محمد اسعد بيوض التميمي، محمود صافي ، فاطمة حافظ ، كريم فارق، أشرف إبراهيم حجاج، خبَّاب بن مروان الحمد، د - احمد عبدالحميد غراب، رمضان حينوني، د. طارق عبد الحليم، أ.د. مصطفى رجب، د - مضاوي الرشيد، د - محمد بن موسى الشريف ، طلال قسومي، د.ليلى بيومي ، حسن الحسن، سامح لطف الله، محمد أحمد عزوز، فتحي الزغل، د.محمد فتحي عبد العال، إيمان القدوسي، محمود طرشوبي، د- محمد رحال، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. أحمد محمد سليمان، ماهر عدنان قنديل، فاطمة عبد الرءوف، كمال حبيب، صلاح الحريري، سعود السبعاني، رضا الدبّابي، د. نهى قاطرجي ، حسن الطرابلسي، بسمة منصور، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أحمد النعيمي، عدنان المنصر، د. محمد مورو ، د - الضاوي خوالدية، خالد الجاف ، عبد الله زيدان، مراد قميزة، د - مصطفى فهمي، ياسين أحمد، د. الحسيني إسماعيل ، جاسم الرصيف، محمد الطرابلسي، محمد شمام ، عزيز العرباوي، معتز الجعبري، سيدة محمود محمد، حاتم الصولي، حميدة الطيلوش، سلام الشماع، د. صلاح عودة الله ، د - محمد عباس المصرى، سحر الصيدلي، د- هاني السباعي، سفيان عبد الكافي، رافع القارصي، د. الشاهد البوشيخي، محمد تاج الدين الطيبي، عصام كرم الطوخى ، د - المنجي الكعبي، أحمد ملحم، د. نانسي أبو الفتوح، عبد الرزاق قيراط ، ابتسام سعد، رشيد السيد أحمد، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - محمد بنيعيش، فوزي مسعود ، علي عبد العال، أبو سمية، د. كاظم عبد الحسين عباس ، منى محروس، د - شاكر الحوكي ، عبد الغني مزوز، سيد السباعي، حمدى شفيق ، فهمي شراب، مصطفي زهران، د. محمد يحيى ، د - صالح المازقي، مصطفى منيغ، فتحي العابد، د. محمد عمارة ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سامر أبو رمان ، فراس جعفر ابورمان، وائل بنجدو، صباح الموسوي ، إسراء أبو رمان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، تونسي، د - أبو يعرب المرزوقي، رأفت صلاح الدين، شيرين حامد فهمي ، صالح النعامي ، الناصر الرقيق، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عبد الله الفقير، الشهيد سيد قطب، إيمى الأشقر، فتحـي قاره بيبـان، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سلوى المغربي، عواطف منصور، د - غالب الفريجات، سوسن مسعود، عمر غازي، الهادي المثلوثي، د. عبد الآله المالكي، د- جابر قميحة، هناء سلامة، صفاء العربي، أحمد بوادي، محمد إبراهيم مبروك، حسن عثمان، علي الكاش، محرر "بوابتي"، صفاء العراقي، د. جعفر شيخ إدريس ، إياد محمود حسين ، العادل السمعلي، صلاح المختار، نادية سعد، محمود سلطان، يحيي البوليني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أنس الشابي، د- هاني ابوالفتوح، يزيد بن الحسين، محمد العيادي، عراق المطيري، حسني إبراهيم عبد العظيم، مجدى داود، د. مصطفى يوسف اللداوي، د- محمود علي عريقات، محمود فاروق سيد شعبان، كريم السليتي، د - محمد سعد أبو العزم، منجي باكير، أحمد الحباسي، جمال عرفة، د. أحمد بشير، د. خالد الطراولي ، رافد العزاوي، محمد الياسين، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، المولدي الفرجاني،
أحدث الردود
هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة