تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الحمار "لولو" والإبداع الفني

كاتب المقال د. شاذلي عبد الغني إسماعيل - مصر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


في بداية دراستنا للشعر كنا نجد صعوبة في فهم القصائد العربية القديمة لكن حين كنا نعرف معاني مفرداتها كانت تأخذنا النشوة بدقة صورها وتفاصيلها وبقوة معانيها وتراكيبها وموسيقاها الموحية، أما ما كان يزعجنا ويشعرنا بالعجز فهو تلك القصائد المعاصرة التي كنا نصادفها في مجلات ومنشورات وزارة الثقافة حيث الغموض القاتم والصور التي توصد في وجوهنا الأبواب للفهم وغياب الموسيقا الذي يفقدنا التفاعل معها، ومع كل ذلك كان هناك احتفاء كبير بهؤلاء وتصدير لنتاجهم في إصدارات الدولة المتنوعة، وكنا نرى ساعتها أننا في بداية الطريق وأننا لا نمتلك القدر الثقافي الكافي لاستيعاب هذه النصوص ومن ثم ليس لدينا القدرة على إدراك ما تحمله من رؤى عميقة وأفكار لوذعية تحلق في اللامتناهي بعيدة عن إدراكنا المحدود، وأن الحل يكمن في قراءة الكتب النقدية التي كنا نظن أنها ستفتح لنا آفاقا جديدة وتكشف لنا عن العوالم المحجوبة في تلك النصوص كما أنها ستعرفنا أيضًا بمناهج ومدارس ومذاهب في النقد الأدبي الحديث لم نكن نعرفها من قبل، لكننا فوجئنا بأن هذه الكتب تزيد الطين بلة وأنها رغم لغتها العربية تحتاج إلى ترجمان وأن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان، وعدنا أيضًا نشكك في قدراتنا وضآلة معارفنا أمام هؤلاء الأفذاذ الذين رضعوا أفاويق المعرفة حتى ما يدر لها ثعل ( الثُغل حلمة الثدي الزائدة في الناقة والبقرة والشاة)، لكننا وجدنا نقادًا كبارًا يلومون عليهم مثلما نلوم ويشتكون منهم مثلما نشتكي، فقد قرأنا مثلاً أن العلامة الكبير محمود شاكر اتصل على الدكتور عز الدين إسماعيل وشكى له عدم قدرته على فهم المقالات النقدية لواحدة من أكبر المجلات النقدية التي تصدرها الدولة، فرد عليه الناقد الكبير بأنه يبدو أن من يكتبون هذا الكلام لا يفهمون ما يكتبونه.

هذه العبثية لم تكن في الشعر فقط، بل طالت كل الفنون، لكنها كانت بالنسبة لنا أكثر وضوحًا في الشعر والرسم، وقد ظهرت في بعض الأعمال الدرامية سخرية من هؤلاء الغامضين الذين يعمدون إلى التعمية والإلغاز، فقد سخر فيلم ( مرجان أحمد مرجان ) من هذا الشعر ومن نقاده حيث رأينا بطله عادل إمام يشترى من أحد الشعراء ديوانه (أبيع نفسي) الذي حصل على جائزة المجلس الأعلى للشعر والأدب، وهي سخرية ـ قد لا يلاحظها كثيرون ــ من الواقع الذي يحدث فيه مثل ذلك بالفعل، وفي احتفالية بهذا الديوان ينشد مرجان قصيدة ( الحلزونة) ثم يمدحه الناقد، الذي رشاه مرجان بساعة ثمينه، قائلاً إنه كسر كل التقاليد وأنه يحلق في آفاق مختلفة، كما سخر من قبله فيلم (خياط السيدات) من الرسم ومن نقاده، وفي هذا الفيلم كان يقوم دريد لحام بدور رسام دخل أبناء أخته الصغار إلى معرضه وأخذوا يشخبطون في إحدى اللوحات، وعندما حضر الناقد الفذ الذي ينتظره الرسام على أحر من الجمر لم تعجبه سوى اللوحة التي شخبطها الأطفال وانبهر بها وظنها اللوحة الأولى في المعرض.

أما في الغرب الذين استوردنا منه هذه الأفكار فلا أعرف إن كانت هناك أعمال سينمائية سخرت من هؤلاء أم لا، لكنني أعرف أن هناك من سخروا منهم بشكل عملى وجعلوا منهم أضحوكة في الواقع، ومن الذين فعلوا ذلك الكاتب والروائي الأمريكي بول جوردان سميث (19 أبريل 1885- 17 يونيو 1971)، الذي اغتاظ من استقبال النقاد البارد للوحات امرأته الكلاسيكية، فقرر أن يكشف زيف هؤلاء، فوضع لنفسه اسمًا مزيفًا وادعى أنه فنان روسي وقدم نفسه لمجموعة من هؤلاء النقاد كممثل لمدرسة فنية جديدة، ورسم صورا عديدة كانت بالطبع سيئة وغريبة لكن الأغرب أن النقاد أشادوا بهذه الرسومات ورفعوها إلى عنان السماء، ومما رسمه هذا الفنان المزيف صورة رديئة لامرأة تحمل موزة ولها ضفيرة قائمة تحمل هيكلا عظميًّا، وصورة طفلية ساذجة لزنجية تغسل ملابسها .
تعب سميث من الخدعة واتصل بصحيفة لوس أنجلوس تايم وأخبرهم بأن اللعبة قد انتهت، وأن كثيرا من الفن اليوم إنما هو كلام فارغ، وأن أكثر النقاد لا يعرفون إلا القليل جدًا عن الفن، ويخافون أن ينتقدوا القمامة ويقولون إنها قمامة. وقد قال أيضًا: إن النقاد سوف يمجدون دائمًا أي شيء غير مفهوم.

أما الخدعة الأشد والأنكى فقد كانت عام 1910م في باريس حيث كان هناك مبدع شاب اسمه رولان دورجيلس طلب من رجل أن يستعير حماره لمزحة يود أن يلعبها مع أصدقائه من الرسامين الانطباعيين، وقد عاونه في مزحته تلك بعض أصدقائه.

أحضر رولان ومن معه قطعة من القماش ثم علقوا الفرشاة في ذيل الحمار وبدأوا يغمسون الفرشاة في الألوان، وقربوا الحمار من قطعة القماش ثم بدأوا يغذونه بالجزر والتبغ ليحفزوا قوته الخلاقة فيهز ذيله بقوة فوق القماش، وبدأ الحمار يؤدي ما عليه ببراعة، وأخرج لعالم الفنون اللوحة التي سموها ‘الغروب فوق الأدرياتيكي’، ووقعوها باسم فنان ليس له وجود هو ‘جواشيم رافاييل بورونالي ‘وبعد عدة أيام حصلت اللوحة على أول عرض لها في معرض شهير بباريس وحازت على الكثير من الثناء من هؤلاء النقاد المساكين الذين قالوا عن راسمها إنه من فناني المستقبل.

قد يظن البعض أن الحمار لولو أدى ما عليه ومات لكن الحقيقة أن لولو لم يمت لأنه عاش وسيظل يعيش في عقول وقلوب الكثيرين من المبدعين العظام الذين يلتفت حولهم النقاد يدرسون ويحللون ويأولون لأنهم ينظرون إلى ما رواء الغيبوبة السرمدية للواقع المعاش.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

النقد الأدبي، الشعر، الشعر الحديث،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 28-02-2018  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
كمال حبيب، د. نهى قاطرجي ، ياسين أحمد، الناصر الرقيق، عصام كرم الطوخى ، عزيز العرباوي، د - غالب الفريجات، مجدى داود، ابتسام سعد، صفاء العراقي، محمد العيادي، محمود صافي ، بسمة منصور، د. الحسيني إسماعيل ، خالد الجاف ، حسن عثمان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، فوزي مسعود ، صلاح الحريري، أحمد النعيمي، رحاب اسعد بيوض التميمي، تونسي، عراق المطيري، د - صالح المازقي، د. محمد يحيى ، فتحي العابد، د - المنجي الكعبي، أحمد الحباسي، سامر أبو رمان ، د.محمد فتحي عبد العال، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. عبد الآله المالكي، عبد الله زيدان، إيمان القدوسي، إسراء أبو رمان، إياد محمود حسين ، د - محمد عباس المصرى، علي عبد العال، ماهر عدنان قنديل، جمال عرفة، سعود السبعاني، محمود طرشوبي، صباح الموسوي ، محمد أحمد عزوز، د. عادل محمد عايش الأسطل، منجي باكير، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فهمي شراب، سوسن مسعود، حسن الطرابلسي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد اسعد بيوض التميمي، د - مضاوي الرشيد، د - محمد بنيعيش، د. أحمد بشير، الهادي المثلوثي، حاتم الصولي، مراد قميزة، د- محمد رحال، محمد عمر غرس الله، إيمى الأشقر، حمدى شفيق ، هناء سلامة، طلال قسومي، سيد السباعي، أشرف إبراهيم حجاج، أحمد بوادي، د.ليلى بيومي ، محمد الياسين، محمود فاروق سيد شعبان، فتحـي قاره بيبـان، د. جعفر شيخ إدريس ، فاطمة حافظ ، د. مصطفى يوسف اللداوي، عواطف منصور، أبو سمية، د- هاني ابوالفتوح، د - احمد عبدالحميد غراب، رمضان حينوني، د- محمود علي عريقات، العادل السمعلي، الشهيد سيد قطب، يحيي البوليني، د. محمد مورو ، رشيد السيد أحمد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عمر غازي، رافع القارصي، د. نانسي أبو الفتوح، محمود سلطان، نادية سعد، حسن الحسن، منى محروس، خبَّاب بن مروان الحمد، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. خالد الطراولي ، محمد شمام ، د. صلاح عودة الله ، فاطمة عبد الرءوف، محمد الطرابلسي، وائل بنجدو، صالح النعامي ، د - محمد بن موسى الشريف ، محرر "بوابتي"، مصطفي زهران، سيدة محمود محمد، رضا الدبّابي، شيرين حامد فهمي ، فتحي الزغل، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عبد الرزاق قيراط ، سامح لطف الله، حسني إبراهيم عبد العظيم، كريم فارق، سفيان عبد الكافي، د- جابر قميحة، د. طارق عبد الحليم، علي الكاش، د. الشاهد البوشيخي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، المولدي الفرجاني، معتز الجعبري، د. محمد عمارة ، الهيثم زعفان، أحمد ملحم، د. أحمد محمد سليمان، د - الضاوي خوالدية، د - أبو يعرب المرزوقي، سحر الصيدلي، محمد إبراهيم مبروك، د- هاني السباعي، صلاح المختار، د - شاكر الحوكي ، عبد الغني مزوز، كريم السليتي، أ.د. مصطفى رجب، سلوى المغربي، د - مصطفى فهمي، محمد تاج الدين الطيبي، عدنان المنصر، جاسم الرصيف، رأفت صلاح الدين، حميدة الطيلوش، عبد الله الفقير، مصطفى منيغ، فراس جعفر ابورمان، رافد العزاوي، أنس الشابي، د - محمد سعد أبو العزم، يزيد بن الحسين، سلام الشماع، صفاء العربي، أحمد الغريب،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة