تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

آداب الانتخابات

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


من آداب الانتخابات في الديمقراطيات الحديثة التي نُشِيد عادة بأصحابها، الإقرار بالنتائج الرسمية في صورة سلامتها من الطعون أو عدم المطالبة بإعادتها، وتهنئة الفائز بها أو الفائزين، ولو على مضض، لطبيعة الغلَب والفشل المستحكمة في الإنسان.

وللتقاليد الديمقراطية حرمتها في كثير من البلاد. ولكن التقاليد المتّبعة، في الدول الديمقراطية حقيقةً، يظهر أنها لم تنطبع بها بعض الأقلام أو بعض النفوس أو الأحزاب في بلداننا الحديثة عهداً بالأحزاب المتعددة وبالانتخابات التى تتولاها هيئات مستقلة.

ونحن، تجربتنا قصيرة وإن كانت موفقة في أكثر من مرحلة مررنا بها. وأمامنا الوقت، ربما أطول من اللازم لترسيخ عادتنا الجديدة بها، لتصبح لنا تقاليد، وتكون تماماً مثل نظيرتها في بلدان عريقة، أو غريقة الى الأذقان، في آداب الديمقراطية.

ومن يستمع الى معلّقينا على نتائج "التكميلية" في ألمانيا، يشعر بالأسى لانزعاج سياسيين معتبرين في أحزاب بعينها ومنظمات، ينعون حظهم بفوز السيد ياسين العياري. وبعضهم يرد ذلك الى البلد المستضيف لمكاتب الاقتراع، لانحصارها في عدد ضيق لأسباب أمنية ربما، أو سيادية، وللطقس، ولمستوى الحملة والتحضير لها ولكذا وكذا من الأسباب.. ومنها مهاترات الأحزاب الوطنية، وتدهور أوضاع البلاد بسببها، وأخيراً لما يسمونه ويؤكدون عليه: العزوف، أي ما يترجم فقدان الثقة أو انحسار الأمل لدى الناخبين للوضع الداخلي في بلادهم، وادخار - أكثرهم - أوقاتَهم وجهودهم ونفقاتهم على الغُدوّ والرواح الى مكاتب الانتخاب.

وهذا كله كان ينبغي أن لا يكون مثار انزعاج بقدر ما هو داع للسرور، لأن نتائج الانتخابات ما هي إلا المسبار الصحيح لأوضاعنا، التي هي باستمرار محل أخذ ورد بين الطبقة السياسية، بين مكذب لبعض ومضخم لأخطاء بعض، ومزكّ لنفسه على غيره، وما الى ذلك من المغالطات والتزييف، التى لا مجال لتأكيدها أو فضحها إلا بالديمقراطية ولسان حالها الانتخابات. وإلا فلا معنى لادعاء الحياد والشفافية إذا كانت الديمقراطية لا تكشف زيفَ هذا من ذاك وإخلاص هذا دون ذاك.

وكلما تقدّمْنا ذراعاً بالديمقراطية تقدمنا أمتاراً في التقاليد الديمقراطية، بل فهماًً صحيحاً لجدواها، كيفما كانت النتائج لصالحنا أو لصالح غيرنا، لأنها سليمة وشفافة وديمقراطية. وعندها يقوى الأمل لدينا للإقبال عليها وللتنافس فيها، لأنها المحك لجوهر أعمالنا وأقوالنا، والمرآة الصافية لنضج أحْزِبَتنا (جمع حزب على غير قياس للتنديد بكثرتها) وعَجْم عُود زعمائنا.

وسنرى كيف يقِلّ، بانتظام الانتخابات، العزوفُ عنها؛ لتصبح الأحزاب في حُمّى الانتظار لها، لدعم شرعيتها وتوسيع دائرة تأثيرها وتصحيح مساراتها، والأهم استثمار النتائج التى تتوصل اليها بفضلها لتحسين رصيدها من التطلع الى الحكم أو استدراك أمرها للتداول مرة ومرة عليه.

ولولا التعقل والحكمة والإذعان لنداء الواقع، والتعامل مع الموجود، وتقديم المهم على الأهم، واحترام قرار الصندوق، أو بالأحرى نتائجه، لأخطأنا، من الأوّل، في القبول بنتائجَ لم يكن ليشتهيها بعضنا بصعود بعضٍ في رتبة الأصوات والمقاعد في انتخابات 2011، الأولى بعد الثورة، وانتخابات 2014، الأولى بعد الدستور الجديد. ولكن صوت الحكمة لم يغب عن سمع الأستاذ الباجي وبطبيعة الحال سمع الشيخ راشد، وربما أعانا معاً عليه، ليبلغ صداه كثيراً من قيادات الأحزاب والشخصيات التى تآلفت معهما.

والخوف من هذا العزوف.. باعتباره ظاهرة سلبية مفهوم من البعض، في حين نراه علامة صحة، لأنه سيفتح العينين على تمَشينا السليم في التعالُج بالديمقراطية، لتقوية مناعة أنفسنا من السقوط في صراع الأضداد، لحسم التداول على السلطة بالانقلابات الشبه دستورية وتزييف الانتخابات، كما كان المشاهد الى ماض قريب عندنا.

والتعامل بأريحية مع الخصوم، عندما تؤيدهم النتائج الشعبية، قد يساعد على تحويل شوكتهم الى العدو المشترك، وهو سوء الفهم أو قلة الثقة أو انعدام الحوار أو غياب العدالة والكرامة أمامهم، وافتقاد ما يسمى في الإسلام: الإحسان والسماحة؛ ويكونون ظهيراً على الخصم المشترك، وهو الأنانية وحب الذات وتقديم الفردية على الحزبية على الوطنية.

والأمر حريّ أن يلفت نظر المشرّعين لما فيه من مفارقة، بين وضعية هذه الدائرة للمهاجرين بألمانيا في الانتخابات الأصلية بمترشح وحيد دون منافس وهذه الانتخابات التكميلية، التي تهاطلت عليها الترشحات. لأنها بدون سابقة فيما أعتقد، وكالمفتعلة لغاية بعينها. وكونها فاجأت، فلعلها لم تفاجئ إلا لأن الانتخابات في تونس لم يعد كالسابق من المتوقع ترسيم نتائجها.

وهذه الحالة قد تحيل الى مسألة التعويض في القائمة الواحدة لمن يغادر النيابة لمهمة حكومية بمن يليه في قائمته، دون أن يبقى له حق بالرجوع الى مقعده البرلماني إذا غادر الحكومة، على سبيل التعويض الوقتي، لأنه لا يشابه الاستقالة، وإنما أوْجَبته حالة عدم الجمع. وقد ناقشنا الموضوع في مقال سابق.

أما الوعيد، بأن الانتخابات القادمة سوف لا تكون كهذه أو على منوالها أو حتى اعتباره كالاستثناء منها.. فهذا يحسن فهمه على أنه وعْد وتحفيز لانتخابات ماي القادم، لا على معنى التعاطي معها بوسائل الغش والرشوة والإكراه على القواعد والأصول، لتبييض الوجه. فهذا لا يُطَمْئن الى أننا دخلنا في عصر الانتخاب السري، الحر، النزيه، الشفاف، وما الى ذلك من ألفاظ، كالهرّ يحكي صولة الأسد!

فربما سوّل الأمر لبعض النفوس المختلّة طَرْق باب الانتقام أو الاغتيال لشغور الكرسي لمن والاه. فالمرء هو ما يكون لسانه وفؤاده.

------------
تونس في ٢١ ديسمبر ٢٠١٧



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإنتخابات، الثورة التونسية، الثورة المضادة، ياسين العياري،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-12-2017  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  المظلمة على ابن خلدون
  تقويم نهج البيان في تفسير القرآن
  جائزة الملك فيصل في ظل الأزمة العالمية
  السياسي لا يصدق بالضرورة..
  غير مبرر وغير مجرم .. ولكن محرر
  الدين واللغة في المواقع الرسمية في تونس
  مقدمة لكتاب للدكتور المنجي الكعبي
  نفس الاشخاص نفس المشاكل
  تعليق على تمزيق
  آداب الانتخابات
  الانتماء السلبي والحياد الايجابي
  أخو علم..
  الفدْي بالنفْس .. يا قدْس!
  الوعد الحق
  هيئة الانتخابات.. المأزق
  على هامش قانون المصالحة
  هبة أو شبهة كتب في دار الكتب
  الموت للقضية بالاستيطان البطيء
  تقدير العواقب
  المرحوم محمد المصمودي أو تونس في ظل تقدير آخر لمستقبلها
  ترامب والإسلام
  حتى لا يوشك الاتحاد على افتعال أزمة لتأجيل مؤتمره
  الدولة تصفع وتهان..
  معاملة المؤقت معاملة غير المؤقت
  السياسة وخطاب الثقة والأمل
  في عدم الاستغناء عن القوانين لضبط المسائل الدستورية
  في تصويت الوزراء النواب لأنفسهم أو شبهة فساد
  التبرير بغياب المؤسسات والقوانين
  متاعب الشاهد في مرآة الأحزاب والمبادرة
  عدم تجديد الثقة لا يعني سحب الثقة

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - المنجي الكعبي، د - مصطفى فهمي، د. محمد عمارة ، أ.د. مصطفى رجب، العادل السمعلي، عواطف منصور، حسن الطرابلسي، محمد تاج الدين الطيبي، د - شاكر الحوكي ، هناء سلامة، محمود فاروق سيد شعبان، رضا الدبّابي، أبو سمية، حسن الحسن، خبَّاب بن مروان الحمد، الشهيد سيد قطب، محمد اسعد بيوض التميمي، صفاء العربي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أحمد الحباسي، د - محمد عباس المصرى، أحمد بوادي، يزيد بن الحسين، فتحـي قاره بيبـان، د - صالح المازقي، فاطمة حافظ ، أحمد النعيمي، عبد الرزاق قيراط ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حميدة الطيلوش، سعود السبعاني، د. عبد الآله المالكي، وائل بنجدو، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد إبراهيم مبروك، د- جابر قميحة، د- محمد رحال، كريم فارق، محمد الطرابلسي، ابتسام سعد، سلام الشماع، سفيان عبد الكافي، محمد أحمد عزوز، د. نانسي أبو الفتوح، عدنان المنصر، د. مصطفى يوسف اللداوي، فاطمة عبد الرءوف، د- هاني السباعي، د. جعفر شيخ إدريس ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، إيمى الأشقر، رمضان حينوني، شيرين حامد فهمي ، منجي باكير، حسن عثمان، أشرف إبراهيم حجاج، سيد السباعي، فتحي الزغل، د. خالد الطراولي ، صفاء العراقي، رافد العزاوي، فوزي مسعود ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. عادل محمد عايش الأسطل، مصطفى منيغ، د. أحمد محمد سليمان، إيمان القدوسي، سلوى المغربي، تونسي، د. صلاح عودة الله ، د.محمد فتحي عبد العال، د - غالب الفريجات، محمد الياسين، صلاح الحريري، رافع القارصي، سيدة محمود محمد، عبد الله زيدان، د. طارق عبد الحليم، محمود سلطان، جاسم الرصيف، أحمد ملحم، إياد محمود حسين ، عمر غازي، صالح النعامي ، فهمي شراب، الهيثم زعفان، د. الحسيني إسماعيل ، محمود طرشوبي، د - أبو يعرب المرزوقي، د. أحمد بشير، بسمة منصور، محمد العيادي، صلاح المختار، ياسين أحمد، الناصر الرقيق، د - مضاوي الرشيد، علي عبد العال، عبد الله الفقير، حاتم الصولي، د. الشاهد البوشيخي، مراد قميزة، خالد الجاف ، د- هاني ابوالفتوح، أنس الشابي، د - محمد سعد أبو العزم، إسراء أبو رمان، الهادي المثلوثي، يحيي البوليني، حمدى شفيق ، جمال عرفة، صباح الموسوي ، فراس جعفر ابورمان، محمود صافي ، محمد عمر غرس الله، علي الكاش، عصام كرم الطوخى ، رحاب اسعد بيوض التميمي، نادية سعد، د - الضاوي خوالدية، أحمد الغريب، عراق المطيري، كريم السليتي، محمد شمام ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. محمد يحيى ، عزيز العرباوي، د. محمد مورو ، سحر الصيدلي، رأفت صلاح الدين، عبد الغني مزوز، معتز الجعبري، د - احمد عبدالحميد غراب، كمال حبيب، طلال قسومي، منى محروس، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د.ليلى بيومي ، محرر "بوابتي"، مجدى داود، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سوسن مسعود، د. نهى قاطرجي ، د - محمد بن موسى الشريف ، سامح لطف الله، ماهر عدنان قنديل، المولدي الفرجاني، رشيد السيد أحمد، مصطفي زهران، د - محمد بنيعيش، فتحي العابد، سامر أبو رمان ، د- محمود علي عريقات،
أحدث الردود
هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة