تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الانتماء السلبي والحياد الايجابي

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


تواصل "النهضة" سلوكها على مأدبة الحكم، منذ اقْتِعادها لأول مرة على ثلاثية كرسي الرئاسة بعد الثورة، على أساس ازدواجية الحياد الايجابي والانتماء السلبي.

أما الأول فلضمان الحد الأدنى من مصالحها أن تضيع بين أيدي الخصوم، وأما الثاني فلاستخلاص الحد الأقصى من تنازل غرمائها لها، لتكون المحصلة في النهاية تحقيق أهدافها بالكامل بعد معاناة وصبر طويلين لعهدين من النظام قبل الثورة.

والكل يعرف أن الأحزاب الوطنية بعد ثورة الحرية والديمقراطية والكرامة ليس بإمكان أي منها أن يجد أرضية للحكم إذا لم يستنبت في تربتها قبل ذلك بذوراً صالحة، من التربية والثقافة ونمطاً من أسلوب الحياة يقوم على مقومات الأمة الحقيقية وعبقريتها، أدبياً ومعنوياً واجتماعياً واقتصادياً، وسياسياً في الوقت نفسه.

ومعروف لدينا في تونس، أن تخلُّصنا من الاستعمار كلفنا المرور بمراحل تمهيدية لنيل استقلالنا الحقيقي وسيادة دولتنا، وحرية إرادة شعبنا واختياراته. وهذه المرحلة التي لم يكن غنى عنها عند السياسيين الذي تبادروا الى الحكم بمقتضاها، حتمت تأجيل كثير من مبادئنا التي ضحّت من أجلها الأجيال، الى حين، أو تعديل بعضها بحكم اتفاقيات الاستقلال المشروط، التي وقعتها بلادنا مع فرنسا، بغيبة من كل استشارة شعبية أو استفتاء.

فتفرق شمل زعمائنا من ذلك الوقت، بين مناهض لتلك الاتفاقيات وهو يعلم أنها ستكون حجر عثرة لانفصالها بالكامل عن فرنسا وانعتاقنا من التبعية لها في كل شؤوننا الاقتصادية والعسكرية والخارجية والثقافية والادارية وما الى ذلك، وبين متعلل بضرورة التعاون الظرفي لدواعي قيام الدولة التونسية الحديثة وتسيير مؤسساتها كافة، في ظل غياب الأطر والكوادر الوطنية، وافتقار مواردها وماليتها الى القروض والمساعدات، وارتهانها بتعاقداتها السيادية السابقة، التي بقيت دائماً بمفعول تلك الاتفاقيات في اتحاد مع فرنسا.

لكن هذا الوضع، كان ينبغي أن يتعدل بعد رحيل بورقيبة حيث لم يكن متاحاً إزاحته في حياته، بما وفرته فرنسا لنظامه من الاستقرار لحساب تعاونها معه. بل وجب أن يتعدل على يد أي زعيم يتقمص الدور المعارض لبورقيبة في سياسته الفرنكوفونية بأوسع معنى، ويكون هذا التعديل باتجاه تحرير تونس من التبعية لأوروبا وفرنسا بالذات. وليس بشرطه أن يكون هذا الزعيم من النهضة أو الحزب الدستوري القديم أو اليسار التونسي أو جناح منه أو من الوسط. فتونس العميقة كانت كلها حزباً واحداً على التخلف والاستعمار.

والثورة وحدها بعد ١٤ جانفي ٢٠١١ هي التي منحت الفرصة للنهضة، باعتباره الحزب الوحيد تقريباً الذي كان قائماً على ساقيه في الداخل والخارج، لمناهضة سياسة بورقيبة وخليفته بن علي، لأنه كان امتداداً له مع اختلاف الصورة؛ وربما لميوله القومية والإسلامية الواضحة شيئاً ما أقوى من بورقيبة، لفظته فرنسا، وتسارعت للإطاحة به في أول فرصة، بعدما ضاقت بما يمكن اعتباره، في سياستها لحكام تونس، تمرداً عليها وامتهاناً لثقافتها ولغتها، في البلد، بكثير من إنجازاته وتوجهاته.

والتدخل الأجنبي، وهذا غير خاف، وإن اتخذ تارة لبوس التعاون الدولي أو الثنائي أو الأممي، والقروض والمساعدات والتعاون الفني ونحو ذلك؛ سواء عن طريق المجتمع المدني أو عبر الحبْل السُرّي - إذا صح التعبير - للتمويل الخارجي باتجاه أحزاب معينة ونشطاء سياسيين وإعلاميين ومثقفين ومتعاونين وربما برلمانيين وأعضاء في مواقع القرار.

هذه "الأرمدا" - إن صح التعبير - لاحتواء سياساتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية والعسكرية والأمنية، وإن حاولت كثير من الإرادات الوطنية المخلصة التخفيف من وطأتها، إلا أن دورها جعل يتضخم بعد الثورة باطراد- هذه الأرمدا قلت، منعت من انتقال تونس الى حكم ديمقراطي عن طريق الأغلبية البرلمانية والنظام الرئاسي المُوَقّى بالصلاحيات المطلوبة لتركيز مؤسسات منتخبة ومستقلة حقيقة عن التأثير المالى والاعتباري السلبي للخارج. وهو بوصلة الوصول بتونس الثورة الى حكم مستقر، لا تزعزعه الأزمات المفتعلة، التي همها إنهاك البلاد وميزانيتها بتعدية حزبية مفرطة ونظام برلماني مزاجي، منفلت عن الأحزاب ومنقسم على نفسه بحدة.

ولكن ما الحل، إذا كان هناك من يترصد للتحكم في دفة مراكب هذه الثورات، في بلاد الربيع العربي، ليجعلها تحيد عن أهدافها، ويُقسرها قسراً على الإرساء بموانيه المقدرة لصادراته ووارداته من بلادها واليها.

الحل، هو أن نأخذ بيد الحزم ترتيبَ أوضاعنا الداخلية، من أحزاب، والتزامات معنوية بعدم التدخل في شؤوننا، وتوجيه همنا الى بناء نظام ديمقراطي مناسب لمرحلة ما بعد الثورة التي نحن فيها.

فأمامنا تعديلات دستورية، تأكد بعد تجربة الخمس سنوات من العمل بالدستور، إدخالها على بعض مواده، وعلى بعض قوانيننا الأساسية، كمجلة الانتخابات لإرساء نظام الأغلبية، الذي لا يشك عاقل في أنه لم يكن الاتجاه اليه في الأول إلا لغاية منع أي فصيل من التيارات السياسية الاستفرادَ بالتمثيل الشعبي في البرلمان.

فيمكن أن نقول إن النضج الانتخابي الذي بلغناه بعد تجربتين أو أكثر من التردد الى صناديق الاقتراع أصبح يسمح لنا بالانتقال الى نظام يوفق بين الاستقرار والحرية على جانبي التساوي، حتى لا يفيض جانب منهما على حساب الجانب الآخر، ولا نستمر في جمهورية الفوضى والمراهقات السياسية اليومية، وحرمان القلة للكثرة من نعمة الاستماع لصوت الحق، والإذعان لاختيار الجمهور العريض، لما يجب أن تكون عليه تونس أو تسير عليه تونس لتحقيق مناعتها وصدارتها بين الدول المتقدمة.


------------
تونس ١٩ ديسمبر ٢٠١٧



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، حركة النهضة، الإنتخابات،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-12-2017  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  المظلمة على ابن خلدون
  تقويم نهج البيان في تفسير القرآن
  جائزة الملك فيصل في ظل الأزمة العالمية
  السياسي لا يصدق بالضرورة..
  غير مبرر وغير مجرم .. ولكن محرر
  الدين واللغة في المواقع الرسمية في تونس
  مقدمة لكتاب للدكتور المنجي الكعبي
  نفس الاشخاص نفس المشاكل
  تعليق على تمزيق
  آداب الانتخابات
  الانتماء السلبي والحياد الايجابي
  أخو علم..
  الفدْي بالنفْس .. يا قدْس!
  الوعد الحق
  هيئة الانتخابات.. المأزق
  على هامش قانون المصالحة
  هبة أو شبهة كتب في دار الكتب
  الموت للقضية بالاستيطان البطيء
  تقدير العواقب
  المرحوم محمد المصمودي أو تونس في ظل تقدير آخر لمستقبلها
  ترامب والإسلام
  حتى لا يوشك الاتحاد على افتعال أزمة لتأجيل مؤتمره
  الدولة تصفع وتهان..
  معاملة المؤقت معاملة غير المؤقت
  السياسة وخطاب الثقة والأمل
  في عدم الاستغناء عن القوانين لضبط المسائل الدستورية
  في تصويت الوزراء النواب لأنفسهم أو شبهة فساد
  التبرير بغياب المؤسسات والقوانين
  متاعب الشاهد في مرآة الأحزاب والمبادرة
  عدم تجديد الثقة لا يعني سحب الثقة

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
إياد محمود حسين ، صفاء العراقي، فوزي مسعود ، محمد أحمد عزوز، سفيان عبد الكافي، د - المنجي الكعبي، محمد إبراهيم مبروك، خالد الجاف ، محمد تاج الدين الطيبي، محمود طرشوبي، عصام كرم الطوخى ، د- هاني السباعي، عمر غازي، أشرف إبراهيم حجاج، سلام الشماع، د. عادل محمد عايش الأسطل، عزيز العرباوي، طلال قسومي، مراد قميزة، رافع القارصي، رافد العزاوي، د - مضاوي الرشيد، تونسي، إيمى الأشقر، د - محمد سعد أبو العزم، د.ليلى بيومي ، صلاح المختار، سيدة محمود محمد، نادية سعد، د. نهى قاطرجي ، د - الضاوي خوالدية، أحمد بوادي، عبد الله الفقير، صالح النعامي ، علي عبد العال، رأفت صلاح الدين، حسن الطرابلسي، أ.د. مصطفى رجب، حسن عثمان، سحر الصيدلي، د - محمد عباس المصرى، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد عمر غرس الله، صباح الموسوي ، د. الشاهد البوشيخي، عبد الله زيدان، كريم فارق، د - احمد عبدالحميد غراب، د. نانسي أبو الفتوح، فاطمة حافظ ، إسراء أبو رمان، د. محمد يحيى ، هناء سلامة، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - صالح المازقي، أحمد الغريب، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. أحمد محمد سليمان، سامر أبو رمان ، د. محمد مورو ، وائل بنجدو، حميدة الطيلوش، سيد السباعي، جاسم الرصيف، يحيي البوليني، د- محمد رحال، منجي باكير، د- جابر قميحة، محمود سلطان، د. محمد عمارة ، أنس الشابي، د - غالب الفريجات، الشهيد سيد قطب، ماهر عدنان قنديل، سعود السبعاني، عبد الرزاق قيراط ، الناصر الرقيق، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد اسعد بيوض التميمي، د - شاكر الحوكي ، منى محروس، رمضان حينوني، صلاح الحريري، ياسين أحمد، أحمد ملحم، أحمد الحباسي، المولدي الفرجاني، محمود صافي ، علي الكاش، ابتسام سعد، د- هاني ابوالفتوح، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، فتحي العابد، الهادي المثلوثي، د. الحسيني إسماعيل ، الهيثم زعفان، محمد شمام ، أحمد النعيمي، حسني إبراهيم عبد العظيم، محرر "بوابتي"، د. جعفر شيخ إدريس ، د. صلاح عودة الله ، محمد الياسين، سلوى المغربي، د. طارق عبد الحليم، فراس جعفر ابورمان، د.محمد فتحي عبد العال، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عدنان المنصر، مصطفى منيغ، سامح لطف الله، إيمان القدوسي، د - محمد بن موسى الشريف ، بسمة منصور، معتز الجعبري، يزيد بن الحسين، حسن الحسن، د. عبد الآله المالكي، د- محمود علي عريقات، كمال حبيب، عراق المطيري، رضا الدبّابي، د - مصطفى فهمي، فاطمة عبد الرءوف، جمال عرفة، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د. أحمد بشير، حاتم الصولي، محمود فاروق سيد شعبان، فتحـي قاره بيبـان، محمد العيادي، رشيد السيد أحمد، كريم السليتي، خبَّاب بن مروان الحمد، شيرين حامد فهمي ، مجدى داود، مصطفي زهران، سوسن مسعود، د - أبو يعرب المرزوقي، صفاء العربي، عبد الغني مزوز، محمد الطرابلسي، د - محمد بنيعيش، رحاب اسعد بيوض التميمي، عواطف منصور، فتحي الزغل، فهمي شراب، حمدى شفيق ، أبو سمية، د. خالد الطراولي ، د. مصطفى يوسف اللداوي، العادل السمعلي،
أحدث الردود
الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة