تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الشارع التونسي وقضية فلسطين

كاتب المقال سمير حمدي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


جاء قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، ليعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، ولتمثل قادحاً حرك الشارع التونسي بشكل مكثف، ليعلن رفضه القرار والسياسات الأميركية ككل، مندداً بالتخاذل الرسمي العربي الذي أدى إلى مزيد من التغوّل الصهيوني، وممارسة سياسة التهويد وسلخ فلسطين المحتلة عن هويتها العربية الإسلامية.

وربما كانت القضية الفلسطينية من المسائل القليلة التي يتوحد حولها الشارع السياسي التونسي، بمختلف تياراته وتوجهاته. ولم يكن هذا الموقف وليد اللحظة، وإنما هو جزء من الضمير الجمعي للشعب التونسي الذي يشعر بالولاء الشديد لقضية القدس، ويتعاطف بشكل تام مع الشعب الفلسطيني. ولم يكن غريباً أن تتحرّك فئات شعبية واسعة، ومن قطاعات مختلفة، بما فيها التلاميذ والطلبة الذي يمثلون شرائح الجيل الجديد الذي راهنت جهات عديدة على جعله ينفر من مساندة قضية فلسطين، مُعوّلة في ذلك على حالة العزوف التي يعرفها الجيل الجديد من أي عمل حزبي في البلاد، غير أن قضية القدس وفلسطين كذّبت كل التوقعات، فالشارع التونسي تحرّك بشكل عفوي وواسع، للتعبير عن رفضه كل سياسات الهيمنة والاحتلال التي تحمل لواءها الجهات الرسمية الأميركية، وكل من ساندها من الدول العربية المتصهينة، فالشارع التونسي، حتى في ظل أحلك الفترات في أثناء حكم الاستبداد، لم يكن يفوّت أي فرصة للتعبير عن تضامنه مع القضية المركزية للأمة، فعلاقة الزعماء السياسيين والجماهير الشعبية التونسية بفلسطين تعود إلى ما قبل قيام دولة الكيان الصهيوني، منذ تولى الشيخ عبد العزيز الثعالبي، رفقة المفتي أمين الحسيني، تنظيم المؤتمر الإسلامي الأول في مدينة القدس سنة 1931 للتحذير من الخطر الصهيوني الذي بدأت تظهر ملامحه للعلن في تلك الفترة. وفي حرب 1948، تطوع مناضلون تونسيون كثيرون للقتال في صفوف القوات التي كان يقودها فوزي القاوقجي، من أجل الدفاع عن فلسطين. وعلى الرغم من سياسة الانزواء عن القضايا العربية التي اعتمدها الرئيس الحبيب بورقيبة، ظلت القضية الفلسطينية عاملاً مهماً في استثارة الشارع التونسي، ودفعه إلى الخروج والتعبير عن رفضه سياسات التخاذل العربي. ففي 1967 وإثر هزيمة يونيو/ حزيران، تظاهر الطلبة التونسيون رفضاً للهزيمة، وتعرّضوا لقمع قوات البوليس. ويكفي أن نذكر، في هذا السياق، اعتقال الطالب محمد بن جنات على خلفية هذه التحركات، والحكم عليه لاحقاً بعشرين سنة سجناً مع الأشغال الشاقة.

وفي سنوات حكم زين العابدين بن علي، كان الشارع التونسي في الموعد في كل الأوقات الحرجة، عندما كانت غزّة تتعرض للعدوان الصهيوني، وعندما قرّر النظام استضافة وفدٍ صهيوني على هامش القمة العالمية للمعلومات في أكتوبر/ تشرين الأول 2005 عرفت البلاد تحركاتٍ رافضة للتوجهات التطبيعية التي اتخذتها السلطة، وخاض مدرسو التعليم الثانوي إضراباً شاملاً احتجاجاً على زيارة الوفد الصهيوني. ووصل الحال بالنظام إلى اعتقال الناشط السياسي، محمد عبو، على خلفية مقال نشره "بن علي – شارون" ماثل فيه بين ساسة النظامين أحدهما ضد شعبه والآخر ضد الشعب الفلسطيني. وفي سنة 2010، شكل فيديو لأحد المغنين التونسيين زار الكيان الصهيوني ليظهر في إحدى الحفلات، وهو يصرخ بحياة بنيامين نتنياهو، أحد عوامل أساسية غذّت الثورة التونسية لاحقاً، خصوصاً وأن غالبية الشعب التونسي نظرت إلى الزيارة باعتبارها دليلاً آخر على تواطؤ النظام مع الصهيونية العالمية ضد أبناء الشعب الفلسطيني. وفي أثناء الثورة التونسية، ظلت الثورة الفلسطينية عاملاً مؤثراً في الحراك الجماهيري، حيث هتف الشعب في الشوارع "الشعب يريد تحرير فلسطين"، في تعبير حي عن مدى تعاطف الجماهير الشعبية للقضية المركزية.

وقد تواصل الحضور القوي للقضية الفلسطينية في الشارع، بشكل خافت أحياناً وصارخ أحياناً أخرى، وهو ما تجلى في حادثة اغتيال المهندس محمد الزواري، حيث شارك الشعب في مظاهراتٍ حاشدة، تنديداً بجريمة الاغتيال البشعة التي تورّطت فيها أجهزة المخابرات الصهيونية. وبعيداً عن الأصوات النشاز التي تحاول التمسّح بأعتاب الصهيونية، تظل القضية الفلسطينية المؤثر الأهم في وجدان الشعب التونسي، حيث لا يمكن لأي محاولة لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أن يُكتب لها النجاح، أو أن تجد سنداً شعبياً من أي طرفٍ سياسي، أو منظمة نقابية أو قطاعية، حيث تشكل فلسطين الأفق الأسمى لمعنى النضال والتحرّر، والقضية التي تتجاوز الحسابات السياسوية الضيقة، باعتبارها قضية كل التونسيين، بغض النظر عن الولاءات والانتماءات السياسية والمجتمعية. وسيظل هذا الجمهور المتحفز ضمانةً لمنع أي انحراف سياسي رسمي عن القضية الأم، وتبقى فلسطين الضمير الحي الذي يبشر بغد الثورة والحرية، مهما طال الطريق.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

القدس، إسرائيل، ترامب، اليهود، تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 13-12-2017   المصدر: العربي الجديد

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
ماهر عدنان قنديل، فهمي شراب، علي الكاش، فاطمة حافظ ، فراس جعفر ابورمان، فاطمة عبد الرءوف، د - مصطفى فهمي، ابتسام سعد، سلوى المغربي، د. خالد الطراولي ، صفاء العراقي، مصطفي زهران، د - محمد بنيعيش، سيد السباعي، صالح النعامي ، د - أبو يعرب المرزوقي، رافع القارصي، رافد العزاوي، مراد قميزة، د - المنجي الكعبي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. نهى قاطرجي ، د. نانسي أبو الفتوح، معتز الجعبري، منى محروس، يزيد بن الحسين، كريم فارق، د - شاكر الحوكي ، أبو سمية، رمضان حينوني، صلاح المختار، الشهيد سيد قطب، خبَّاب بن مروان الحمد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - مضاوي الرشيد، د- هاني السباعي، رشيد السيد أحمد، عدنان المنصر، المولدي الفرجاني، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عزيز العرباوي، د. الشاهد البوشيخي، د.ليلى بيومي ، أحمد الغريب، محمود سلطان، الهيثم زعفان، وائل بنجدو، جمال عرفة، خالد الجاف ، د. أحمد محمد سليمان، أحمد النعيمي، نادية سعد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حسن الطرابلسي، حسن عثمان، أشرف إبراهيم حجاج، محمد شمام ، د - محمد سعد أبو العزم، بسمة منصور، مصطفى منيغ، محمد إبراهيم مبروك، د- هاني ابوالفتوح، صفاء العربي، فوزي مسعود ، محمد الياسين، طلال قسومي، تونسي، عبد الرزاق قيراط ، رضا الدبّابي، محمود فاروق سيد شعبان، حسني إبراهيم عبد العظيم، حميدة الطيلوش، أ.د. مصطفى رجب، العادل السمعلي، د - غالب الفريجات، أحمد ملحم، منجي باكير، د - احمد عبدالحميد غراب، د - الضاوي خوالدية، عراق المطيري، فتحـي قاره بيبـان، حاتم الصولي، د. الحسيني إسماعيل ، فتحي العابد، جاسم الرصيف، هناء سلامة، عصام كرم الطوخى ، إياد محمود حسين ، ياسين أحمد، الناصر الرقيق، محمد اسعد بيوض التميمي، حمدى شفيق ، د. جعفر شيخ إدريس ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، إيمى الأشقر، د. صلاح عودة الله ، شيرين حامد فهمي ، محمود طرشوبي، رحاب اسعد بيوض التميمي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صباح الموسوي ، سيدة محمود محمد، د - صالح المازقي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. عبد الآله المالكي، محمد تاج الدين الطيبي، د. محمد يحيى ، محمود صافي ، محمد أحمد عزوز، مجدى داود، صلاح الحريري، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد العيادي، محرر "بوابتي"، أنس الشابي، د - محمد عباس المصرى، د- محمد رحال، محمد عمر غرس الله، أحمد الحباسي، سامر أبو رمان ، سوسن مسعود، حسن الحسن، عبد الله الفقير، د- محمود علي عريقات، د - محمد بن موسى الشريف ، كمال حبيب، د.محمد فتحي عبد العال، عمر غازي، سلام الشماع، إسراء أبو رمان، إيمان القدوسي، سعود السبعاني، د. محمد عمارة ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، يحيي البوليني، سامح لطف الله، د. محمد مورو ، فتحي الزغل، كريم السليتي، د. أحمد بشير، د- جابر قميحة، رأفت صلاح الدين، عواطف منصور، علي عبد العال، عبد الله زيدان، عبد الغني مزوز، د. طارق عبد الحليم، سحر الصيدلي، محمد الطرابلسي، الهادي المثلوثي، أحمد بوادي، سفيان عبد الكافي،
أحدث الردود
انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة