تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس وصندوق النقد الدولي

كاتب المقال المهدي مبروك تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


مع تصريحات وزير المالية التونسي بالنيابة، الفاضل عبد الكافي، قبل أيام أمام أعضاء مجلس النواب، التي نبه فيها إلى المخاطر المالية المحدقة بالبلاد، والتي قد تكون معها الدولة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين في الأشهر القليلة المقبلة، ناقدا ما سماها إدارة الحكومة الشأن المالي على شاكلة ما يقوم به العطّار (بائع المواد الغذائية بالتفصيل، في اللهجة التونسية)، تزداد المخاوف الحقيقية من بلوغ تونس مرحلة الإفلاس، خصوصا أن زيارات وفود صندوق النقد الدولى تزداد، وقد انتهت آخرها يوم 3 يوليو/ تموز الماضي، والتقى فيها الوفد الأطراف الحكومية المعنية بالملف الاقتصادي والمالي.

يبدو أنه لا توجد حلول كثيرة أمام تونس، لمواجهة التدهور الاقتصادي والمالي المتسارع من سنة إلى أخرى، ولم تفلح الحكومات الست بعد الثورة في إنقاذ الأمر، خصوصا أنها استسلمت إلى وصفات الصندوق الدولي، على الرغم مما يعيبه عليها من بعض البطء والتلكؤ، حسب اعتقاده. وجدت تلك الحكومات نفسها أمام معضلة حادّة، ما زالت ماثلة، فقد أطلقت الثورة سيلا جارفا من مطالب وانتظارات كانت قد قدحت الثورة بشكل أو بآخر: الشغل والنهوض بالمناطق الداخلية المحرومة. ولكن يبدو أن الحكومات أخفقت في تلبية المطالب في ظل تراجع نسب النمو وانكماش الاستثمار الداخلي والخارجي وارتفاع مطلبية مرهقة للزيادة في الأجور.

هناك شعور متنام لدى أوساط عديدة، منها النقابية والحقوقية والشبابية من أن حكام تونس ما بعد الثورة ضحّوا بتلك المطالب، وتنكّروا لها تحت ضغط وصفات صندوق النقد الدولي. على الرغم من ذلك، تذهب الحكومة الحالية في تنفيذ الوصفات التي تأخر أمدها، والبلاد تكاد تدخل مرحلة حرجة. لم تعد توصيات الصندوق التي يفضل بعضهم وصفها "إملاءات" مخفية، بل غدت معلومة منشورة في أهم تقارير هذا الصندوق، وعلى موقعه الإلكتروني، لعل أهمها المضي في خصخصة ما تبقى من مؤسساتٍ عمومية باتت عبئا على ميزانية الدولة، وهي مؤسسات تكاد تكون مفلسة، لتضخّم جهازها البيروقراطي من خلال انتداب عشوائي فاق الحاجة، فضلا على ضعف المردودية والعجز عن المنافسة في سوق خدماتٍ يتحرّر تدريجيا: على غرار البنوك العمومية وشركات الضمان والتأمين... إلخ، وهي مؤسساتٌ نخرت المالية العمومية من خلال تدخلٍ في إنقاذها في مناسبات عديدة من دون أن تتعافى، بل استفحل أمرها في السنوات القليلة الفارطة، إيقاف الانتداب في الوضعية العمومية، رفع الدعم بشكل متسارع عن المواد الغذائية والمحروقات... إلخ، ففي آخر زيارة لوفد من صندوق النقد الدولي، بدا سقف المطالب مرتفعا، بل ومؤلما، فلأول مرة يدعو الصندوق تونس إلى "تغيير منوالها الاقتصادي"، وهي صيغة فضفاضة، لكنها صارمة في الوقت نفسه، تفيد لدى الخبراء جملة من الإجراءات غير الاعتيادية أو المألوفة، على غرار ما ذكرنا، وخصوصا الخصخصة الشاملة، وتخلي الدولة عن لعب أي دور اقتصادي تقريبا، وإيقاف الدعم نهائيا، وتحرير الاقتصاد، بما فيه إلغاء جل النزعات الحمائية عن التجارة الداخلية والخارجية. وفضلا عن إصلاحات جبائية حادّة ومقاومة الاقتصاد الموازي، وهو الذي تذهب تقديراتٌ رصينةٌ بشأنه إلى حد جعله يستولي على ما يقارب نصف الاقتصاد، فضلا عن مقاومة الفساد ذات الصلة. ليس للحكومة التونسية هامش واسع من المناورة، في ظل شحّ التصدير وتراجع الاستثمار الداخلي والخارجي، وانكماش إنتاج الفوسفات، وتأخر انتعاشة السياحة، وهي المحرّكات التقليدية للاقتصاد التونسي.

قدّر الخبراء أن تكون 2017 أعسر سنة على تونس، وهي تتزامن مع ذروة تسديد الدين الخارجي. ولكن، لا أحد توقع أن تقف البلاد شبه عاجزةٍ عن دفع أجور موظفيها. وكانت الحكومة قد مضت في تنفيذ حزمة الشروط المطروحة، بشكل متردّد ومتذبذب، خشية أن تدفع هدير الاحتجاجات الاجتماعية. ولكن لا يلوح في المستقبل بديل آخر سوى مزيد من الهروب إلى الأمام، أو الديماغوجيا، ولو كانت تلك الشروط قاسية.

تراجعت الدولة في ظل ضعفها غير المسبوق عن بدء الإصلاحات المؤكدة، حين همّت في أول اختبار لها بتوسيع القاعدة الضريبية، لتشمل فئات المهن الحرّة التي ما زالت تتهرّب من دفعها ما عليها لفائدة الدولة، أمام قوة اللوبيات المتنفذة، عير وكلائهم من نواب البرلمان، ما جعلها تسحب مقترحاتها الأولية، وتتنازل لهم. وهي ضرائب تخصم من الأجراء الذين يساعدون بما قدره 80%، ما يفوّت على الدولة تعبئة مواردها المالية، فضلا على إغفالها مبدأ العدالة الجبائية.

تخلصت تونس من مخاطر الإرهاب، وها هي تخوض معركتها ضد الفساد. ولكن، عليها أن تربح رهان الإقلاع الاقتصادي، حتى تضمن عدم انتكاس انتقالها الديمقراطي.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، صندوق النقد الدولي، الأزمة الإقتصادية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-08-2017   المصدر: العربي الجديد

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سامح لطف الله، فراس جعفر ابورمان، إسراء أبو رمان، محمد العيادي، د. عادل محمد عايش الأسطل، مصطفى منيغ، محمود طرشوبي، كمال حبيب، إيمان القدوسي، سحر الصيدلي، سيدة محمود محمد، فوزي مسعود ، معتز الجعبري، علي عبد العال، إياد محمود حسين ، عبد الله زيدان، سلام الشماع، حسن الطرابلسي، الهيثم زعفان، حسن الحسن، د - محمد بن موسى الشريف ، محمد إبراهيم مبروك، محمود سلطان، د- هاني ابوالفتوح، عدنان المنصر، د.محمد فتحي عبد العال، د - المنجي الكعبي، د. محمد مورو ، محمود فاروق سيد شعبان، أحمد بوادي، محمد الطرابلسي، جاسم الرصيف، د- جابر قميحة، ماهر عدنان قنديل، ابتسام سعد، د - مصطفى فهمي، د. عبد الآله المالكي، حميدة الطيلوش، د - مضاوي الرشيد، إيمى الأشقر، د.ليلى بيومي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، علي الكاش، حاتم الصولي، د. أحمد بشير، د - احمد عبدالحميد غراب، د- محمد رحال، كريم السليتي، د- هاني السباعي، د - محمد عباس المصرى، سعود السبعاني، حسني إبراهيم عبد العظيم، سامر أبو رمان ، د. نانسي أبو الفتوح، كريم فارق، طلال قسومي، سلوى المغربي، عمر غازي، د - صالح المازقي، أبو سمية، ياسين أحمد، محمود صافي ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، صباح الموسوي ، حسن عثمان، رافع القارصي، د - شاكر الحوكي ، نادية سعد، رضا الدبّابي، د. صلاح عودة الله ، أحمد ملحم، عبد الرزاق قيراط ، عبد الغني مزوز، الهادي المثلوثي، د - محمد سعد أبو العزم، د. نهى قاطرجي ، أحمد الحباسي، الشهيد سيد قطب، منجي باكير، سوسن مسعود، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د- محمود علي عريقات، أشرف إبراهيم حجاج، مراد قميزة، منى محروس، صلاح المختار، فتحـي قاره بيبـان، د. الشاهد البوشيخي، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح الحريري، د - أبو يعرب المرزوقي، فتحي الزغل، فاطمة عبد الرءوف، تونسي، رأفت صلاح الدين، د. خالد الطراولي ، محمد اسعد بيوض التميمي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، عزيز العرباوي، هناء سلامة، خالد الجاف ، وائل بنجدو، محمد عمر غرس الله، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. محمد يحيى ، رشيد السيد أحمد، أحمد الغريب، د. جعفر شيخ إدريس ، د - الضاوي خوالدية، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - محمد بنيعيش، سيد السباعي، سفيان عبد الكافي، رافد العزاوي، د. طارق عبد الحليم، المولدي الفرجاني، أ.د. مصطفى رجب، محمد تاج الدين الطيبي، صفاء العراقي، محرر "بوابتي"، رمضان حينوني، عصام كرم الطوخى ، د. محمد عمارة ، عواطف منصور، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عراق المطيري، صفاء العربي، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، العادل السمعلي، مصطفي زهران، د. كاظم عبد الحسين عباس ، جمال عرفة، د. أحمد محمد سليمان، خبَّاب بن مروان الحمد، يحيي البوليني، حمدى شفيق ، شيرين حامد فهمي ، أنس الشابي، يزيد بن الحسين، محمد الياسين، صالح النعامي ، مجدى داود، فهمي شراب، محمد شمام ، فاطمة حافظ ، أحمد النعيمي، د - غالب الفريجات، محمد أحمد عزوز، الناصر الرقيق، عبد الله الفقير، فتحي العابد،
أحدث الردود
فكرة المقال ممتازة خاصة حينما يرجع اندحار التيارات الاسلامية ومناصريها وجراة اعدائهم عليهم بالحصار وغيره في تركيا وقطر وحماس، حينما يرجع ذلك لتنامي فك...>>

الموضوع كله تصورات خاطئة وأحكام مسبقة لا تستند إلى علم حقيقي أو فكر ينطلق من تجربة عميقة ودراسة موضوعية ، فصاحب المنشور كذلك الإنسان الغربي الذي يريد ...>>

الله اكبر...كل العربيات أصبحن شريفات عفيفات سوى المغربيات..أنا متاكد أن العاهرات في تونس أكثر من المغرب...>>

برايي انتم من مزق الامه ياعلماء الروم وفارس..
ياعلماء الزيف والكذب والنفاق..والله لو قامن
الصحابه من مضاجعهم لقطعوكم إربا إربا
...>>


ما شاء الله مخيلتك واسعة كثير لي يصف المغرب ببلد الدعارة اقول لك انا بدولة خليجية ولي شفته من فساد بدول الخليجية ما شفته بالمغرب وانا مغربي لي يقولون ...>>

السلام عليكم انا مغربية واعتز ببلدي ان لن انحاز لاحد لذا سأقول المغرب بلد التناقضات فيه عاهرات وفيه شريفات على كل شخص ذكي ينضر للمرأة المغربية ان لا ي...>>

اهل الكتاب صنفان ( المؤمنون) يقولون ان عيسى رسول الله وليس اله وهاؤلاء لم يعد لهم وجود وكثير منهم اسلم في عهد الصحابة اما اهل الكتاب الموجودين حاليا...>>

مععروف المغربيات سهله الحصول ورخيصة وللجميع ودائما الرخيص مطلب للجميع الا من رحم الله
والكثير من الدول يذهبون للمغرب للمتعه والدعارة
وا...>>


الإرهابيون الحقيقيون-2
The real terrorists-2
Les vrais terroristes-2

يقول الله تعالى : إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلا...>>


مقال ممتاز فعلا تناول اصل المشكل وطبيعة الصراع في تونس...>>

الدعارة بالمغرب في 2017 تحت حكم من يزعمون انهم اسلاميون

>

كلمة حق .. الدعاره موجوده في كل البلاد والشرفاء موجودين في كل البلاد

وانا احمد الله على نصيبي و زواجي من المغربيه

ا...>>


الخطة تعتبر حجر البناء للبحث أو الرسالة، فلذلك يحب إعطائها حقها، وأن يتم إنصافها من حيث التجهيز والتصميم والإعداد فهي من الأجزاء التي تتعرض لحساسية كب...>>

لم اجد سببا جيدا لاكتبه للاستاذ...>>

لبنان دولة اغلب شعبها غجر وتعيش فيها جالية ارمينية وهي بلد اقتصاده بشكل عام قائم على التسول من دول الخليج وبالنهاية لا يقول كلمة شكرا كما ان قنوات لبن...>>

المغرب كدولة و شعب محترمين و متقدمين و مثقفين و لأنهم أفضل دولة في المغرب العربي ولأنها أقدم دولة هناك نجد الخبثاء يتطاولون عليها المغرب دولة جميلة ب...>>

الفتيات لديهن دبلومات و اجازاة لم تجد عمل ببلدها حتى وإن ةجدت فالراتب قليل وتتعرض دائما للتحرش من رب العمل فماهو ادن الحل في نظرك؟؟...>>

بقدر طول المقالة التي أنفتها من مقدمتها والتي لا رد عليها إلا من بيت في قصيدة شوقي (والحمق داء ما له دواء)، فبقدر طولها تلمس طول الحقد الأعمى وتبعية ا...>>

أهلا أخي فوزي... قد اطلعت اليوم على الوثيقة التي أرسلتها لي عبر رابط الرّدود على المقالات في الموقع. وقد يكون الاجدر بي أن أبدأ كلامي معك باعتذار شديد...>>

الأبلغ في العربية أن نقول عام كذا وليس سنة كذا، إذا أردنا أن نشير لنقطة زمنية، أما السنة فهي نقطة زمنية تحمل إضافة تخص طبيعتها نسبة للخصب والمجاعة وما...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة