تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس وأزمة الخليج والاستقطابات

كاتب المقال المهدي مبروك - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


تغير المشهد السياسي في ليبيا، أخيرا، مرجحا نسبيا وإلى الآن كفة الجنرال خليفة حفتر، الذي ما كان له أن يحقق تلك الانتصارات، لولا الدعم الإماراتي الذي تلقاه، وهذه ليست مجرد تهمةٍ يوجهها له خصومه، بل حقيقة وقفت عليها الأمم المتحدة في تقريرها الأسبوع الفارط، وجاء على اختراق أبوظبي قرارات المنظمة الأممية القاضي فرض حظر على تزويد الأطراف المتقاتلة بالسلاح. في هذه الأثناء، بدأت تصريحات القيادات العسكرية الليبية المحسوبة على مجموعة حفتر تأخذ منحى تصعيديا تجاه تونس إلى حد التحرّش بها، وأساساً حزب حركة النهضة التي يعتبرها حفتر وأتباعه سبب الإرهاب، ويتهمونها بالتورّط في الاغتيالات الداخلية، علاوة على تدخلها المباشر في الحرب الأهلية الليبية. يتضاعف صدى تلك التصريحات والتحرّشات بتونس، وجرّها إلى مستنقع حرب إقليمية أخرى، قد تندلع هذه المرة في منطقة المغرب العربي، في أجواء مما يشبه دقّ طبول حربٍ تكاد تنهش منطقة الخليج، على الرغم من استبعاد وزير الخارجية السعودية، عادل الجبير، هذه الإمكانية.

سعت قيادات عسكرية وسياسية ليبية، في الأسابيع القليلة الماضية، إلى توظيف منصات إعلامية تفوح كراهية واستبدادا، متناغمة تماما مع ما يحدث في دول مشرقية أخرى، غير عابئة بالحد الأدنى من المروءة والأخلاق. قدمت "وثائق" و"حججا" و"براهين"، سرعان ما بان زيفها وبطلانها، فقد بدأت تتهاوى تدريجيا، حين تدخلت السلطات القضائية المستقلة التونسية، وأوضحت مسائل كان بعضهم يستثمرها، على غرار تحويلات مالية تلقاها ملحق عسكري قطري في تونس خلال السنوات الماضية، فقد بين الناطق باسم القضاء التونسي أنه تم حفظ الملف، إذ ذهبت تلك التمويلات إلى مخيمات لاجئين في أقصى الجنوب التونسي، حين اندلعت الحرب الأهلية في ليبيا. كما برأت المحكمة، في الأسبوع نفسه، جمعية تونس الخيرية من تهمة تمويل الإرهاب، أو أي شبهاتٍ ماليةٍ أخرى، في ظل تحرش بعضهم بها، وحسبانها على جمعية قطر الخيرية.. إلخ.

هناك مثل قديم كان نشطاء الحركة الطلابية يردّدونه في السبعينيات، مفاده بأن الأمطار تنزل في موسكو فيفتح التونسيون مطرياتهم في العاصمة. ها هو الأمر يتكرّر تقريبا. هدير الحصار المفروض على قطر يرتفع صداه، وهو الذي تفصله عن تونس آلاف الأميال. كما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بمناوشاتٍ وملاسنات بين هذا الفريق وذاك، حتى خيل أن تونس دولة جارة للبلدان الخمسة: السعودية والإمارات والبحرين ومصر وقطر، وتلك هي طبيعة النخب التونسية المفرطة في انفعالاتها.

يتذكّر التونسيون أن بلادهم مرّت بأزماتٍ داخلية حادة، لعل أهمها الاغتيالات التي نالت من رموزٍ نضالية وطنية. ولكن، لتونس هشاشةٌ خاصةٌ لما يجري في محيطها، فقد عرفت ما يشبه هذا المناخ، حين وقع الانقلاب المصري. ولم تسلم تونس أيضا من ذبذبات المناخ الخارجي وتداعياته بعد محاولة الانقلاب التركي الفاشل. موقع تونس الرمزي باعتبارها الاستثناء العربي الوحيد الذي صمد من بين دول الربيع العربي، وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية مع مصالح أطراف داخلية يجعلها عرضةً لمثل هذه الارتدادات، حتى لو وقعت بعيدا عنها. إنها جاذبة لتلك الأصداء بشكل استثنائي مثير.

السرديات التي يتم تداولها خلال الحالات المذكورة أن الإسلام السياسي انتهى، وأن "النهضة" مهدّدة بالانقراض ما بين السجن والمنافي. وتقدّم عدة مسوغات لهذا السيناريو المرعب. ولكن هؤلاء يتغافلون عن أن الحالة التونسية مختلفة تماما عن الحالات الأخرى، فقد تمت دسترة الحقوق، بما فيها التي تتمتع بها حركة النهضة وخصومها، فضلا عن مسار التوافق الذي ارتضته جل النخب، وحرص المجتمع المدني على صون التجربة واستبعاد العنف، واستحق عن ذلك جائزة نوبل للسلام. سيبدو كل انحرافٍ عن هذه الثوابت ضد منطق التاريخ. لا يعود الأمر إلى افتقاد المؤسسة العسكرية التونسية تراث نظيرتها المصرية، بل إلى طبيعة النخب ذاتها، وما تحقق من مكاسب، يبدو من المستحيل التنازل عنها، حتى لو استفادت منها "النهضة"، الخصم لعديدين من هؤلاء.

في ظل إعادة سلسلة الاتهامات الموجهة لحركة النهضة، ومحاولة جرّ تونس إلى الاصطفافات الإقليمية الجارية، ستكون لكل ذلك انعكاسات خطيرة على التوافق السياسي في البلاد. وقد تدفع الفرقاء السياسيين إلى خوض صراعاتٍ مؤلمةٍ لا قدر الله. كنا، في أحيانٍ كثيرة، ننقد "التوافق"، وقد يتهمه بعضنا بأنه مغشوش، غير أننا بتنا أكثر اقتناعا في ظل التطورات الحاصلة عربيا، واستتباعاتها الداخلية بأن هذا التوافق سيكون صمام "الأمان". لن تكون تونس لبنان مرة ثانية، ولكنها لن تكون في منأىً عن انعكاس ما يدور على حدودها وفي إقليمها العربي عموما. تحصين الجبهة الداخلية لن يتم بمجرد تأكيد التوافق. ولكن بالمضي في حزمة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، حتى تظل التجربة التونسية ذات جاذبية يدافع عنها أبناؤها قبل أحرار العالم.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

فطر، محاصرة قطر، دول الخليج، آل سعود، الإمارات العربية المتحدة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 18-06-2017   المصدر: العربي الجديد

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د- هاني ابوالفتوح، وائل بنجدو، بسمة منصور، عصام كرم الطوخى ، محرر "بوابتي"، محمود طرشوبي، د- جابر قميحة، سامر أبو رمان ، إيمى الأشقر، د. محمد عمارة ، علي عبد العال، سيد السباعي، أحمد الغريب، محمد أحمد عزوز، صلاح المختار، عراق المطيري، مجدى داود، سيدة محمود محمد، شيرين حامد فهمي ، أحمد ملحم، محمود فاروق سيد شعبان، كريم السليتي، يحيي البوليني، حسن الحسن، سحر الصيدلي، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد إبراهيم مبروك، رافد العزاوي، صفاء العراقي، منى محروس، محمد الطرابلسي، خبَّاب بن مروان الحمد، أ.د. مصطفى رجب، الهادي المثلوثي، د- هاني السباعي، سلام الشماع، د. عبد الآله المالكي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الله الفقير، صباح الموسوي ، سوسن مسعود، إياد محمود حسين ، مصطفي زهران، حسني إبراهيم عبد العظيم، حاتم الصولي، د - شاكر الحوكي ، د. خالد الطراولي ، أنس الشابي، د - المنجي الكعبي، رحاب اسعد بيوض التميمي، عزيز العرباوي، محمد العيادي، د.محمد فتحي عبد العال، الناصر الرقيق، د. أحمد محمد سليمان، عمر غازي، المولدي الفرجاني، علي الكاش، صالح النعامي ، حسن الطرابلسي، عواطف منصور، نادية سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - محمد بن موسى الشريف ، يزيد بن الحسين، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد الياسين، د- محمود علي عريقات، خالد الجاف ، فتحي الزغل، سامح لطف الله، عبد الغني مزوز، د.ليلى بيومي ، حمدى شفيق ، د. نهى قاطرجي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد شمام ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فتحي العابد، فوزي مسعود ، سلوى المغربي، معتز الجعبري، محمود صافي ، أحمد الحباسي، تونسي، د - مضاوي الرشيد، محمود سلطان، منجي باكير، د. الشاهد البوشيخي، رضا الدبّابي، كريم فارق، محمد اسعد بيوض التميمي، ماهر عدنان قنديل، د. عادل محمد عايش الأسطل، أحمد النعيمي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - غالب الفريجات، د. أحمد بشير، الشهيد سيد قطب، مصطفى منيغ، حسن عثمان، أشرف إبراهيم حجاج، د - محمد عباس المصرى، فراس جعفر ابورمان، سعود السبعاني، ياسين أحمد، حميدة الطيلوش، د. الحسيني إسماعيل ، عبد الله زيدان، د - محمد بنيعيش، طلال قسومي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - مصطفى فهمي، د. نانسي أبو الفتوح، د - الضاوي خوالدية، رمضان حينوني، د - صالح المازقي، فتحـي قاره بيبـان، سفيان عبد الكافي، أبو سمية، د. محمد مورو ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، كمال حبيب، أحمد بوادي، رأفت صلاح الدين، د. صلاح عودة الله ، فاطمة عبد الرءوف، صفاء العربي، د - محمد سعد أبو العزم، جاسم الرصيف، إسراء أبو رمان، صلاح الحريري، العادل السمعلي، إيمان القدوسي، رافع القارصي، محمد تاج الدين الطيبي، د. محمد يحيى ، عبد الرزاق قيراط ، د. طارق عبد الحليم، رشيد السيد أحمد، مراد قميزة، ابتسام سعد، فاطمة حافظ ، د - أبو يعرب المرزوقي، محمد عمر غرس الله، عدنان المنصر، فهمي شراب، جمال عرفة، الهيثم زعفان، د- محمد رحال، هناء سلامة،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة