تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس.. عودة التعذيب وانتعاش دولة العمق

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


يمثل التقرير الأخير الذي نشرته "منظمة العفو الدولية" مؤخرا عن الممارسات القمعية لقوات الأمن التونسية في حق الموقفين مؤشرا خطيرا وحقيقيا على عودة الدولة الاستبدادية إلى الحكم في تونس وإن بقناع ما بعد ثوري. فقد أكد التقرير على "اعتماد قوات الأمن التونسية على الأساليب القمعية التي كانت معهودة في الماضي بما في ذلك التعذيب والقبض والاحتجاز بصورة تعسفية والقيود على سفر المشتبه بهم فضلا عن مضايقة أفراد أسرهم".

التقرير ليس صادما على الإطلاق لأن كل المؤشرات القادمة من تونس مهد ربيع الثورات تجزم بما لا يدع مجالا للشك أن الدولة العميقة تكاد تستعيد كامل مجالها الذي كان لها قبل أن تعصف بها رياح الثورة صبيحة يوم السابع عشر كانون الأول 2010 فيهرب الجلاد ويعود زبانيته إلى جحورهم. استفادت الدولة العميقة كثيرا من توافر عوامل متشابكة بعد الانفجار الكبير لكن أكبر العوامل التي ساعدتها على العودة إلى السطح بكل الوقاحة التي تعبر بها عن أحقادها عبر وسائل إعلام العار العمومي والخاص هو تآمر النخب التونسية على ثورة الفقراء والمحرومين وتناحرهم من أجل المناصب والكراسي.

لقد نجح الطاغية بن علي في إلجام النخب التونسية وفي تركيعها بشكل كشف عبره عن حنكة كبيرة في التعامل مع زيف المناضلين ونفاق المقاومين وتملق المعارضين فقد كان يدرك بحسّه الأمني المرهف أحيانا وبغبائه اللامحدود أحيانا أخرى مدي قابلية النخب التونسية للشراء أو الإيجار إلا من استبسل فكان مصيره الموت في زنازين وزارة الداخلية وأقبية الموت التي تملأ أرجاء الوطن. عودة التعذيب وعودة الممارسات القديمة عنوان عريض على فشل المسار الانتقالي الذي عبّرت عنه بشكل مبكر منابر إعلام العار الوطني وقد استبسلت في تركيع الثورة وبث الفوضى وإرهاب العوام من الناس بداعش أحيانا وبغيرها أحيانا أخرى.

إن عودة الدولة البوليسية إلى المشهد وإمعانها في تعذيب الأبرياء من التونسيين داخل السجون والمعتقلات ومراكز الإيقاف يعدّ أخطر المؤشرات على أن الحرب على الإرهاب لم تكن سوى ذريعة دولية لقمع الحريات وتكميم الأفواه وإعادة البلاد إلى النفق المظلم الذي خرجت منه.

لقد عبّر أهل تونس عن سلمية نادرة خلال الثورة وبعدها فقد بقيت البلاد دون أمن أو شرطة شهورا طويلة وكان الشعب العظيم حارسا للأحياء والمؤسسات بعد فرار قوات الأمن خوفا من ثأر الجماهير بسبب الجرائم التي ارتكبت في حق الأبرياء. عبّر أهل تونس عن سلميتهم الراقية فلم ينتقموا من أحد ولا حاكموا أحدا بل سكتوا عن الظلم في سبيل إنقاذ الوطن من براثن الفوضى... لكن يبدو أن دولة الاستبداد لم تستوعب الدرس جيّدا.

المشهد يزداد قتامة كل يوم مع ترنح مسار انتقاليّ تتصدره دولة العمق ممثلة في "حزب نداء تونس" الوريث الشرعي لحزب "التجمع الدستوري الديمقراطي" حزب الرئيس الهارب "بن علي" ومجموع الأحزاب التي تدور في فلكه بكل خصائصها الانتهازية الفارقة. في المقابل تقف حركة النهضة ذات "المرجعية الاسلامية" ـ أو ما بقي منها ـ وهي تحاول جاهدة وفي عناء بائس الإيهام بالتوبة عن الأصول علّ المجتمع الدولي بكل آليات النفاق والمكر التي لديه يقبلُ بدخولها بيت الطاعة عارية من كل المبادئ إلا من بعض المساحيق و "التكتيك" الذي لم يجد نفعا إلا بتمكين القيادات من بعض الكراسي التي ناضلوا من أجلها عقودا في المنافي.

قد يكون الحكم قاسيا على الحركة لكن البون الشاسع بين النظرية والتطبيق ـ أو بين الدعوي والسياسيّ ـ في تصريحات الاسلاميين باتت تثير الكثير من الشفقة والريبة والشك لا في صفوف المتعاطفين معهم وهم الفريق الغالب بل حتى في صفوف قواعدهم الأكثر ولاء. اليوم لا تستطيع الحركة التنديد بالتعذيب أو العنف ولا بعودة أساليب القمع القديمة التي أبدع فيها جلادو "بن علي" وزبانية المجرم الأكبر ـ بورقيبة ـ لأنها أضحت جزءا من السلطة القمعية نفسها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

يتعلل الاسلاميون بالحكمة والتبصر و "تكتيك الشيخ" وبأنهم نجحوا في إنقاذ تونس من المصير المصري والسوري والليبي وأنهم ضمان المسار الانتقالي وغيرها من الأعذار التي لا تصمد أمام أبسط المنوالات الاستقرائية فضلا عن الاستدلالية. يتهم الإسلاميون غيرهم بالثورجية والعاطفة وغياب العقل... في حين يتناسون أن الثورجية والغضب والانفعال هي التي أرعبت بن علي وأسقطت نظام حكمه بعد أوهم الاسلاميون ـ مع بقية نخب العار التونسية من القومجيين واليساريين ـ الشعبَ أنهم سيسقطونه طوال عقود في حين نجح المفقّرون والمحرمون وغير المسيسين من "أولاد الحفيانة" في إسقاطه خلال أسبوعين من الزمن.

تونس لم تسقط في نموذج الانقلاب المصري لا لحكمة الإسلاميين؛ بل لأن التركيبة العسكرية والشعبية في الدولة التونسية هي غير التركيبة المصرية حيث العسكر المصري هو الدولة وليس العكس. فمصر يملكها العسكر سياسيا وماليا واقتصاديا وذلك منذ انقلاب عبد الناصر حيث أدخل مصر في نفق الاستبداد الذي لم تخرج منه إلى اليوم.

تونس قوية بقواعدها الشعبية التي لم تنزع نحو العنف والانتقام رغم كل حملات التشويه العالمية التي تريد أن تنتقم من أهل تونس، عبر أكاذيب القومجيين من حلفاء المشروع الفارسي، الذين لفقوا كل التهم للشباب التونسي سواء عبر تضخيم أعداد المقاتلين في بؤر التوتر أو عبر أكذوبة "جهاد النكاح" التي صاغتها المخابرات الايرانية بكل مكر. هذا في الوقت الذي يقاتل فيه مئات المقاتلين في كتيبة "محمد البراهمي" ضمن ما يسمى "الحرس القومي العربي" جنبا إلى جنب مع مليشيات الأسد والحرس الثوري الإيراني ويشاركونهم ذبح أطفال سوريا واغتصاب نسائها.

لن يكون غباء الدولة العميقة وهي تستعيد مجالها كاملا بمباركة "الإسلاميين" إلا حافزا جديدا لتجدد الموجة الثورية الثانية التي ستستفيد حتما من كل الأخطاء التي ارتكبتها الموجة الأولى في ظرف اقتصادي عالمي ينبئ بالأسوأ وأمام جحافل المعطلين والفقراء الذي يكفرون بالنخب وبالأيديولوجيا والذين لا يملكون ما يخسرونه في المعركة القادمة.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، بقايا فرنسا، التعذيب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 16-02-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حاتم الصولي، عبد الله زيدان، مراد قميزة، د. أحمد محمد سليمان، د- جابر قميحة، د - محمد عباس المصرى، طلال قسومي، ابتسام سعد، مجدى داود، د. عبد الآله المالكي، إيمان القدوسي، عبد الرزاق قيراط ، أحمد بوادي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. صلاح عودة الله ، حسن الطرابلسي، عواطف منصور، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رأفت صلاح الدين، سامر أبو رمان ، د - محمد سعد أبو العزم، د - الضاوي خوالدية، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، صلاح المختار، أحمد النعيمي، د - محمد بن موسى الشريف ، د - محمد بنيعيش، علي عبد العال، د - احمد عبدالحميد غراب، عبد الغني مزوز، د - مضاوي الرشيد، محمد الطرابلسي، أشرف إبراهيم حجاج، رمضان حينوني، وائل بنجدو، أحمد الغريب، د- محمد رحال، أحمد الحباسي، الشهيد سيد قطب، رافد العزاوي، د - شاكر الحوكي ، العادل السمعلي، محمود فاروق سيد شعبان، د - مصطفى فهمي، د. أحمد بشير، سيدة محمود محمد، ماهر عدنان قنديل، فتحي الزغل، د. محمد يحيى ، صالح النعامي ، محمد تاج الدين الطيبي، د. مصطفى يوسف اللداوي، فاطمة حافظ ، أبو سمية، حسن الحسن، حسني إبراهيم عبد العظيم، يزيد بن الحسين، سلوى المغربي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، بسمة منصور، حسن عثمان، أ.د. مصطفى رجب، د- هاني ابوالفتوح، د. عادل محمد عايش الأسطل، تونسي، أحمد ملحم، إيمى الأشقر، د. نانسي أبو الفتوح، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، صلاح الحريري، د. خالد الطراولي ، عزيز العرباوي، سامح لطف الله، فاطمة عبد الرءوف، د. محمد عمارة ، جمال عرفة، سعود السبعاني، جاسم الرصيف، الهادي المثلوثي، سفيان عبد الكافي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، كمال حبيب، خبَّاب بن مروان الحمد، عمر غازي، فوزي مسعود ، إياد محمود حسين ، فتحـي قاره بيبـان، إسراء أبو رمان، عراق المطيري، مصطفى منيغ، حمدى شفيق ، محمد شمام ، محمد عمر غرس الله، خالد الجاف ، صباح الموسوي ، محمود طرشوبي، كريم السليتي، عدنان المنصر، هناء سلامة، المولدي الفرجاني، عصام كرم الطوخى ، د- هاني السباعي، د. طارق عبد الحليم، د - صالح المازقي، منجي باكير، مصطفي زهران، د.محمد فتحي عبد العال، محمد الياسين، حميدة الطيلوش، د. محمد مورو ، يحيي البوليني، رضا الدبّابي، د. الشاهد البوشيخي، علي الكاش، منى محروس، رشيد السيد أحمد، نادية سعد، سحر الصيدلي، سلام الشماع، الهيثم زعفان، فهمي شراب، محمد إبراهيم مبروك، فراس جعفر ابورمان، أنس الشابي، محمود صافي ، صفاء العراقي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، شيرين حامد فهمي ، ياسين أحمد، عبد الله الفقير، د. نهى قاطرجي ، د. الحسيني إسماعيل ، د - المنجي الكعبي، صفاء العربي، رحاب اسعد بيوض التميمي، فتحي العابد، الناصر الرقيق، محمود سلطان، د- محمود علي عريقات، كريم فارق، محرر "بوابتي"، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد أحمد عزوز، معتز الجعبري، د.ليلى بيومي ، محمد اسعد بيوض التميمي، د - غالب الفريجات، سيد السباعي، محمد العيادي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، رافع القارصي، سوسن مسعود، د - أبو يعرب المرزوقي،
أحدث الردود
Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

المغاربة المصدومين المغربيات تمارس الدعارة في مصر و لبنان و الخليج باكلمه و تونس و تركيا و البرازيل و اندونيسيا و بانكوك و بلجيكا و هولندا ...>>

- لا تجوز المقارنة علميًا بين ذكر وأنثى مختلفين في درجة القرابة.
- لا تجوز المقارنة بين ذكر وأنثى: أحدهما يستقبل الحياة والآخر يستدبرها.
...>>


الى هشام المغربى اللى بيقول مصر ام الدعارة ؟ انا بعد ما روحت عندكم المغرب ثلاث مرات لو مصر ام الدعارة اذا انتم ابوها و اخوها و خالتها و اختها و عمتها ...>>

الأخ أحمد أشكرك وأثمّن مساندتك...>>

الاخ فوزى ...ربما نختلف بالطول و العرض و نقف على طرفى نقيض و لكل واحد منا اسبابه و مسبباته ..لكن و كما سجلنا موقفنا فى حينه و كتبنا مقالا فى الغرض ند...>>

أريد ان أحصل على دروس في ميدان رعاية الطفل وتربيته وطرق استقبال الاولياء فلي الروضة من قبل المربية...>>

لو استبدلت قطر بالإمارات لكان مقالك له معنى لان كل التونسيين بل والعالم العربي كله يعرف مايفعله عيال زايد باليمن وليبيا وتونس بل وحتى مصر ولبنان والسع...>>

أريد مساعدتكم لي بتقديم بعض المراجع بخصوص موضوع بحثي وشكرا...>>

فكرة المقال ممتازة خاصة حينما يرجع اندحار التيارات الاسلامية ومناصريها وجراة اعدائهم عليهم بالحصار وغيره في تركيا وقطر وحماس، حينما يرجع ذلك لتنامي فك...>>

الموضوع كله تصورات خاطئة وأحكام مسبقة لا تستند إلى علم حقيقي أو فكر ينطلق من تجربة عميقة ودراسة موضوعية ، فصاحب المنشور كذلك الإنسان الغربي الذي يريد ...>>

الله اكبر...كل العربيات أصبحن شريفات عفيفات سوى المغربيات..أنا متاكد أن العاهرات في تونس أكثر من المغرب...>>

برايي انتم من مزق الامه ياعلماء الروم وفارس..
ياعلماء الزيف والكذب والنفاق..والله لو قامن
الصحابه من مضاجعهم لقطعوكم إربا إربا
...>>


ما شاء الله مخيلتك واسعة كثير لي يصف المغرب ببلد الدعارة اقول لك انا بدولة خليجية ولي شفته من فساد بدول الخليجية ما شفته بالمغرب وانا مغربي لي يقولون ...>>

السلام عليكم انا مغربية واعتز ببلدي ان لن انحاز لاحد لذا سأقول المغرب بلد التناقضات فيه عاهرات وفيه شريفات على كل شخص ذكي ينضر للمرأة المغربية ان لا ي...>>

اهل الكتاب صنفان ( المؤمنون) يقولون ان عيسى رسول الله وليس اله وهاؤلاء لم يعد لهم وجود وكثير منهم اسلم في عهد الصحابة اما اهل الكتاب الموجودين حاليا...>>

مععروف المغربيات سهله الحصول ورخيصة وللجميع ودائما الرخيص مطلب للجميع الا من رحم الله
والكثير من الدول يذهبون للمغرب للمتعه والدعارة
وا...>>


الإرهابيون الحقيقيون-2
The real terrorists-2
Les vrais terroristes-2

يقول الله تعالى : إنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلا...>>


مقال ممتاز فعلا تناول اصل المشكل وطبيعة الصراع في تونس...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة