تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

ترامب الثور الهائج: "سرعة التنفيذ" لا تعني النجاعة بل الانحطاط

كاتب المقال طارق الكحلاوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


"ليس شريرا بطبعه. بل على العكس من ذلك، ساذج مثل أي رجل في أي وقت مضى. بساطته الكبيرة، وبالإضافة إلى جبنه، جعلا منه عبدا لأصحابه. كان من خلالهم إضافة إلى الجهل، يقود حياته إلى عادات الشهوانية والقسوة، التي سرعان ما أصبحت طبيعته الثانية".

كانت تلك شهادة السيناتور الروماني ديو كاسيوس عن شخصية الامبراطور كومودوس (حكم بين 177 و192 ميلادية) الذي يُنظر إليه كأول أباطرة انحطاط الامبراطورية الرومانية.

كومودوس الذي مرغ أنف وسمعة الامبراطور الروماني، الذي كانت عبادته الديانة الرسمية للامبراطورية، في وحل الرعاع. كان هوسه بجلب الانتباه والإثارة يصل إلى حد مشاركته المصارعين في حلبات الكولوسيوم، في منازلات كانت منظمة مسبقا، فقط ليستمع بتلذذ إلى تصفيق الجمهور مع كل مصارع-عبد ينحره. كان كومودوس واحدا من سلسلة من الأباطرة الذين سجلوا بأحرف سوداء اندحار الامبراطورية.

ليس ترامب هو كومودوس وليس كومودوس بترامب. لكن هناك تقاطعا ما أريد أن أستكشفه هنا، في شخصيتهما وكيف لذلك علاقة ما بانحطاط الامبراطوريات.

في ظرف أسبوع منذ تنصيبه في البيت الأبيض تصرف دونالد ترامب كثور هائج. أصدر "الأمر التنفيذي" تلو الآخر. بدى مثل انفلات دابة كبيرة رعناء، ضربات متتالية تنشر الرهبة والذعر. الرسالة واضحة: قلت لكم إنني لست من "نخبة واشنطن" أتكلم كثيرا دون أن أفعل، فأنا من طينة أخرى: تفعل وتنفذ فحسب. سرعة التنفيذ هذه مغرية، وتتصادم فعلا مع السلوك المخاتل والمماطل السائد في واشنطن. لا يمكن للمواطن المحشور في سكون ولايات الداخل من ويسكونسون إلى أوهايو إلى التكساس أن يقاوم هذه الصورة الجذابة. غير أن خلف هذه الشهوة المتمادية لدى ترامب للظهور بمنظر "المنفذ"، تكمن هشاشة عميقة ومخيفة، تكمن شروط الفوضى، ومن ثَمّ الانحطاط.

لنتمعن في بعض "الأوامر التنفيذية". مثلا ذلك الخاص ببناء "جدار" على طول الحدود مع المكسيك، كان يردد أن حكومة هذا البلد ستدفع تكاليفه. وبعد أن تأكد أن الرئيس المكسيكي سيرفض رفضا قاطعا الأمر مع إلغائه زيارته لواشطن في أول صدام ديبلوماسي مع جارة أساسية، اختلق صيغة مثيرة للسخرية، حيث سيدفع في اتجاه فرض ضريبة تصل إلى 20% على الواردات القادمة من المكسيك. هنا طبعا من سيدفع تكاليف الجدار ليست حكومة المكسيك بل المستهلكين الأمريكيين للبضائع المكسيكية، وأيضا المصانع الأمريكية المقيمة في الجانب الآخر للحدود. وعليه أيضا أن يمرر هذا التشريع عبر الكونغرس إذ لا يستطيع أن يصدره في أمر تنفيذي. وهنا سيصطدم بشبكة مصالح معقدة يمكن أن تعطل القانون.

في الأمر التنفيذي ذاته حد من تدفق اللاجئين وأعلن في حوار تلفزي أنه سيوفر "مناطق آمنة" للسوريين. وهنا اقترف أول خلاف مع روسيا بوتين التي يقوم بكل شيء حتى يقترب منها. إذ أعلن الكرملين أن إدارة ترامب لم تتشاور معه في هذا القرار وأنه عليها أن تفكر في عواقبه.

قبل ذلك بيوم ألغى في "أمر تنفيذي" آخر اتفاق الشراكة للمحيط الهادئ TPP. المشكل أن هذا القرار سيعني آليا ومثلما أجمع المحللون فتح الباب واسعا لكي تنفرد الصين بدول شرقي آسيا، وتعقد اتفاقيات تجارية ثنائية معها، وهو ما بدأت فيه أصلا، تعزز به ميزانها التجاري وتحد أكثر فأكثر من النفاذ الأمريكي للمنطقة.

بحلول الصباح الأول لترامب في البيت الأبيض ألغى حزمة إصلاحات أوباما في التأمين الصحي، دون أن يهيئ بعد التشريعات البديلة التي يمكن لها أن توفر الرعاية الصحية للملايين، وهو ما أدى بالأعضاء الجمهوريين في الكونغرس للارتباك، وتقديم آجال متضاربة للتفكيك التشريعي لبرنامج أوباما التأميني والبرنامج الذي سيعوضه.

نحن هنا بصدد ثور هائج يقوم بالصراخ وإثارة الغبار قبل أن يفكر في العواقب.

حتى نتيقن من أننا بصدد جسم ضخم يصطحب عقل مراهق متعود على الدلال وتنفيذ شهواته، يكفي أن ندقق فيما فعله بالأمس مع الوكالة الفديرالية للحدائق والمنتزهات. إذ قضى ترامب صباحه وركز كل جهوده في محور واحد. سلط ضغوطا رهيبة على مديري الوكالة حتى يساهموا بأي شكل كان في دعم روايته حول أن الحشود التي أتت إلى حفل التنصيب أكثر مما ظهر في الصور، وأنها "الأكبر" في تاريخ الولايات المتحدة، مثلما أعلن سكرتيره الصحفي متهما الإعلام بالكذب ومطالبا بتبني "الحقائق البديلة".

معركته المفتوحة مع عدد من الوكالات الفيدرالية أدت إلى نشوء ما سمي بالـ"مقاومة" في عدد منها بما فيها وكالة الفضاء النازا على ضوء نواياه التقليص من التمويل الفيدرالي، وأيضا إرغام عدد منها بتغيير حقائق أساسية مثل الانحباس الحراري بالنسبة لوكالة حماية البيئة، وظهر ذلك في إنشاء عدد من الحسابات على تويتر لموظفين مجهولي الهوية أعلنوا فيها أنهم سيمارسون "حقهم في التعبير"، وأنهم "سيقاومون" أي تعد على حريتهم من قبل إدارة ترامب.

في اليوم ذاته ضغط من أجل إقالة طاقم كامل من الموظفين الساميين في الخارجية الأمريكية، وانتهى الوضع إلى تقديم سلسلة طويلة من الاستقالات في مناصب حساسة، ومغادرة الموظفين لمكاتبهم بما جعل خارجية القوة الأكبر في العالم بلا قيادات أساسية.

في الأيام ذاتها أعلن نيته مراجعة منع التعذيب. المشكل أن وزير دفاعه أعلن بشكل فوري أنه سيكون ضد ذلك.

علقت أحد مقالات الرأي في "الواشنطن بوست" أن الولايات المتحدة تحصلت أخيرا على "أول رئيس أمريكي لاتيني"، مشيرة إلى نموذج الرؤساء الديمغاجويين شبه العسكريين المهووسين بصورتهم الشخصية. أضاف الكاتب أن ذلك يحصل في الوقت ذاته الذي يندثر فيه هذا النوع من الرؤساء في أمريكا اللاتينية. والحقيقة نحن لسنا بعيدين عن أحد الشخصيات الكلاسيكية في روايات غابريال غارثيا ماركيز الكوميدية السوداء حول الاستبداديين المخرفين. فنحن بلا أدنى مبالغة أو حتى تشويه كاريكاتوري إزاء مخزن ضخم للمحروقات والألعاب النارية، اقتحمه شخص ضخم الجثة مهووس باللعب بأعواد الكبريت.

ما يحدث أقرب للمهزلة منه للنجاعة. نحن نشهد ببساطة انحطاطا غير مسبوق، سيحيل إلى معركة كبيرة في عمق التركيبة الأمريكية، لن يكون مداها معروفا، وستكون آثارها عميقة، ليس على أمريكا فحسب، بل على جل المعمورة. فأمريكا، بما هي شبكة اقتصادية ومالية، هي العالم، لا أكثر أو أقل. وهنا ربما الفارق الوحيد بين ما فعله كومودوس في روما وما يمكن أن يفعله ترامب في أمريكا.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

ترامب، دونالد ترامب، أمريكا، الإنتخابات الأمريكية، تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-01-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
جاسم الرصيف، سلام الشماع، د - أبو يعرب المرزوقي، تونسي، سوسن مسعود، د - شاكر الحوكي ، د - مصطفى فهمي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد اسعد بيوض التميمي، محمد العيادي، صفاء العربي، رأفت صلاح الدين، د - الضاوي خوالدية، د. نانسي أبو الفتوح، أنس الشابي، طلال قسومي، محمد الطرابلسي، كريم فارق، جمال عرفة، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، رمضان حينوني، إيمى الأشقر، سيد السباعي، مصطفى منيغ، سفيان عبد الكافي، د- محمود علي عريقات، عصام كرم الطوخى ، فوزي مسعود ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صباح الموسوي ، محمد إبراهيم مبروك، وائل بنجدو، سامح لطف الله، محمد شمام ، محمود فاروق سيد شعبان، د. صلاح عودة الله ، الشهيد سيد قطب، أحمد الحباسي، د- هاني ابوالفتوح، حسن الطرابلسي، كريم السليتي، فاطمة حافظ ، عبد الرزاق قيراط ، خالد الجاف ، إسراء أبو رمان، محرر "بوابتي"، علي الكاش، صلاح المختار، عراق المطيري، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - صالح المازقي، حمدى شفيق ، أشرف إبراهيم حجاج، مجدى داود، سعود السبعاني، الهادي المثلوثي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أحمد النعيمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، حاتم الصولي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - غالب الفريجات، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد عمر غرس الله، د. خالد الطراولي ، أبو سمية، يزيد بن الحسين، عمر غازي، خبَّاب بن مروان الحمد، سحر الصيدلي، محمد تاج الدين الطيبي، د- جابر قميحة، صالح النعامي ، د. أحمد محمد سليمان، حميدة الطيلوش، فتحي العابد، منى محروس، فتحي الزغل، سامر أبو رمان ، د. نهى قاطرجي ، محمود صافي ، د. محمد يحيى ، سلوى المغربي، رافد العزاوي، د - محمد عباس المصرى، إيمان القدوسي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. طارق عبد الحليم، د - مضاوي الرشيد، بسمة منصور، د. الشاهد البوشيخي، ماهر عدنان قنديل، د. محمد عمارة ، محمد أحمد عزوز، رافع القارصي، أحمد ملحم، أ.د. مصطفى رجب، سيدة محمود محمد، د.محمد فتحي عبد العال، د. جعفر شيخ إدريس ، د - احمد عبدالحميد غراب، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عزيز العرباوي، محمد الياسين، علي عبد العال، حسن عثمان، صلاح الحريري، شيرين حامد فهمي ، د. أحمد بشير، محمود سلطان، إياد محمود حسين ، ابتسام سعد، د- محمد رحال، هناء سلامة، عبد الغني مزوز، د - محمد سعد أبو العزم، كمال حبيب، مراد قميزة، صفاء العراقي، د - محمد بنيعيش، عدنان المنصر، أحمد الغريب، معتز الجعبري، العادل السمعلي، الهيثم زعفان، رضا الدبّابي، رشيد السيد أحمد، ياسين أحمد، محمود طرشوبي، عواطف منصور، عبد الله الفقير، حسن الحسن، المولدي الفرجاني، فتحـي قاره بيبـان، فراس جعفر ابورمان، د. عبد الآله المالكي، مصطفي زهران، يحيي البوليني، د - محمد بن موسى الشريف ، أحمد بوادي، منجي باكير، نادية سعد، د. محمد مورو ، عبد الله زيدان، د. الحسيني إسماعيل ، حسني إبراهيم عبد العظيم، الناصر الرقيق، د.ليلى بيومي ، د- هاني السباعي، فهمي شراب، فاطمة عبد الرءوف، د - المنجي الكعبي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة