تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تحديث التبعية.. لا الاستقلال

كاتب المقال د- محمد عمارة   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


إذا كانت الهجرة من الحاضر إلى الماضي هي جمود يؤدي إلى قيام "الفراغ الفكري" الذي يتمدد فيه التغريب، فإن التغريب، الذي يهاجر أصحابه من واقعنا الحضاري إلى واقع حضاري مخالف، إنما يفضي إلى "عمالة" هؤلاء المتغربين للاستعمار الذي جاء بهذا التغريب في ركاب الغزو بلاد الإسلام!

والذين يريدون لأمتنا أن تبدأ من حيث انتهى الغزاة، هم دعاة تبعية لهؤلاء الغزاة، لا علاقة لهم بحقيقة النهوض، الذي لا سبيل إليه إلا بالاستقلال.

عن هذه الحقيقة من حقائق سبل التقدم والنهوض تحدث موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام جمال الدين الأفغاني (1245 - 1314 هـ، 1838 - 1897م) فقال: "إنه لا ضرورة في إيجاد المنفعة إلى اجتماع الوسائط وسلوك المالك التي جمعها وسلكها بعض الدول الغربية بل لا ملجئ للشرقي في بدايته أن يقف موقف الغربي في نهايته، بل ليس أن يطلب ذلك، وفيما مضى أصدق شاهد على أن من طلبه فقد أوقر - (أعجز) - نفسه وأمته وقرا، وأعجزها وأعوزها".

لقد شيد العثمانيون عددا من المدارس على النمط الجديد، وبعثوا بطوائف من شبانهم إلى البلاد الغربية ليحملوا إليهم ما يحتاجون إليه من العلوم والمعارف والآداب، وكل ما يسمونه "تمدنا" وهو في الحقيقة تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني، فهل انتفع المصريون والعثمانيون بما قدموا لأنفسهم من ذلك، وقد مضت عليهم أزمان غير قصيرة؟!

نعم، ربما وجد بينهم أفراد يتشدقون بألفاظ الحرية والوطنية والجنسية - (القومية) - وما شاكلها، وسموا أنفسهم زعماء، الحرية!ومنهم آخرون قلبوا أوضاع المباني والمساكن وبدلوا هيئات المآكل والملابس والفرش والآنية، وسائر الماعون، وتنافسوا في تطبيقها على أجود ما يكون منها في الممالك الأجنبية، وعدوها من مفاخرهم، فنفوا بذلك ثروة بلادهم إلى غير بلادهم، وأماتوا أرباب الصنائع من قومهم! وهذا جدع لأنف الأمة يشوه وجهها، ويحط من شأنها!

لقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها، وطلائع الجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل، ويفتحون لهم الأبواب، ويثبتون أقدامهم!

إن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها، وإنما هم حملة ونقلة، لا يراعون فيها النسبة بينها وبين مشارب الأمة وطباعها، وهم ربما لا يقصدون إلا خيرا، إن كانوا مخلصين! لكنهم يوسعون بذلك الخروق حتى تعود أبوابا، لتداخل الأجانب فيهم تحت اسم "النصحاء"، وعنوان "المصلحين"، وطلاب الإصلاح، فيذهبون بأمتهم إلى الفناء والاضمحلال وبئس المصير!

إن نتيجة هذا التقليد للتمدن الغربي عند هؤلاء الناشئة المقلدين ليست إلا توطيد المسالك والركون إلى قوة مقلديهم، فيبالغون في تطمين النفوس، وتسكين القلوب، حتى يزيلوا الوحشة التي قد يصون الناس بها حقوقهم، ويحفظون بها استقلالهم، ولهذا، متى طرق الأجانب أرضا لأية أمة، ترى هؤلاء المتعلمين المقلدين في أول من يقبلون عليهم ويعرضون أنفسهم لخدمتهم، فكأنما هم منهم! ويعدون الغلبة الأجنبية في بلادهم أعظم بركة عليهم"!

لقد كتب الأفغاني هذا عن المقلدين للتمدن الغربي، الذين كرسوا التبعية للأجانب، وأضاعوا استقلال أوطانهم.. في ذات التاريخ الذي كتب فيه قناصل فرنسا ببيروت إلى حكومتهم طالبين دعم مدارس الإرساليات الكاثوليكية الفرنسية التي ستخرج جيوشا ثقافية متفانية في خدمة فرنسا، وذلك حتى تخضع "البربرية العربية" للحضارة الفرنسية التي روحها الإنجيل!


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

دراسات فكرية، التبعية، الغرب الغرب الكافر، الإستقلال،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 15-01-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  عالمان.. ومدنيتان
  الإسلام الأمريكاني
  تحديث التبعية.. لا الاستقلال
  عبقرية سيد قطب المبكرة
  الميلاد المعاصر للإسلاموفوبيا
  نماذج من إضطهاد المسيحيين ضد المسلمين
  حرق كتب إبن رشد وحرق الكتب في القرن الواحد والعشرين
  الإسلام الأمريكاني
  إسلاميات السنهوري باشا
  الروح والمادة في الأمن المجتمعي
  المسلمُ والجمال
  حقيقة الجهاد والقتال والإرهاب
  النموذج الإسلامي لتحرير المرأة
  مدرستان في الفكر الديني
  في الحقبة الصليبية المعاصرة
  الفارق بين الجهاد والحرب المقدسة
  شموخ العلماء الكبار
  تحالف الكنيسة مع المشروع الغربي, ضد الإسلام‏
  لماذا يتهجم 'البابا' على القرآن الكريم؟
  الفاتيكان والإسلام

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أنس الشابي، د - أبو يعرب المرزوقي، محمود سلطان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - مصطفى فهمي، صفاء العربي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. أحمد بشير، شيرين حامد فهمي ، د - احمد عبدالحميد غراب، سحر الصيدلي، حسن عثمان، إسراء أبو رمان، محمود فاروق سيد شعبان، د- محمد رحال، أ.د. مصطفى رجب، الناصر الرقيق، الهيثم زعفان، رأفت صلاح الدين، فتحـي قاره بيبـان، محمد أحمد عزوز، د.محمد فتحي عبد العال، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، علي عبد العال، صلاح المختار، سيدة محمود محمد، فراس جعفر ابورمان، فتحي العابد، أحمد الغريب، إيمى الأشقر، محمود طرشوبي، عراق المطيري، د- جابر قميحة، عمر غازي، محمود صافي ، د- محمود علي عريقات، عبد الرزاق قيراط ، صباح الموسوي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. محمد يحيى ، أبو سمية، محمد الياسين، الهادي المثلوثي، مراد قميزة، د . قذلة بنت محمد القحطاني، حميدة الطيلوش، سعود السبعاني، محمد إبراهيم مبروك، عبد الله زيدان، يزيد بن الحسين، يحيي البوليني، سيد السباعي، فتحي الزغل، د. مصطفى يوسف اللداوي، أشرف إبراهيم حجاج، إياد محمود حسين ، سلام الشماع، سلوى المغربي، منى محروس، الشهيد سيد قطب، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد بن موسى الشريف ، كريم السليتي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د- هاني ابوالفتوح، خبَّاب بن مروان الحمد، د - شاكر الحوكي ، سفيان عبد الكافي، منجي باكير، محمد عمر غرس الله، د - صالح المازقي، د- هاني السباعي، حمدى شفيق ، تونسي، عواطف منصور، د. الحسيني إسماعيل ، مصطفى منيغ، عصام كرم الطوخى ، المولدي الفرجاني، عزيز العرباوي، فوزي مسعود ، د - المنجي الكعبي، فهمي شراب، كمال حبيب، د. صلاح عودة الله ، أحمد بوادي، علي الكاش، د. نانسي أبو الفتوح، رضا الدبّابي، صالح النعامي ، وائل بنجدو، العادل السمعلي، د - محمد عباس المصرى، د - غالب الفريجات، د. خالد الطراولي ، ابتسام سعد، مصطفي زهران، محرر "بوابتي"، رافد العزاوي، سامر أبو رمان ، جمال عرفة، عبد الله الفقير، د - مضاوي الرشيد، د - الضاوي خوالدية، صلاح الحريري، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حسن الطرابلسي، أحمد ملحم، سامح لطف الله، جاسم الرصيف، نادية سعد، طلال قسومي، رمضان حينوني، حسن الحسن، د. نهى قاطرجي ، كريم فارق، بسمة منصور، د. عبد الآله المالكي، هناء سلامة، د. طارق عبد الحليم، حاتم الصولي، محمد تاج الدين الطيبي، فاطمة عبد الرءوف، عبد الغني مزوز، فاطمة حافظ ، إيمان القدوسي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، صفاء العراقي، د - محمد بنيعيش، رشيد السيد أحمد، محمد العيادي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، ماهر عدنان قنديل، ياسين أحمد، محمد شمام ، أحمد النعيمي، د. محمد مورو ، د. جعفر شيخ إدريس ، د.ليلى بيومي ، عدنان المنصر، خالد الجاف ، د. أحمد محمد سليمان، أحمد الحباسي، معتز الجعبري، د. الشاهد البوشيخي، د. محمد عمارة ، مجدى داود، سوسن مسعود، محمد اسعد بيوض التميمي، محمد الطرابلسي، رافع القارصي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة