تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

عندما يحصّن المنصب صاحبه للدفاع عن المبدإ

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


هي حالة السيد الحبيب الصيد بعدما رشحه حزب نداء تونس لخطة رئيس حكومة، فأصبح وهو في المنصب من الصعب عليه أن يأتمر في أمر حكومته بغير أوامر نفسه، حتى وإن كانت أوامر رئيس الجمهورية الذي كان له واجب التكليف له فقط بتشكيل الحكومة، وله اعتبار الرئيس الشرفي للحزب نفسه الذي رشحه وزعيمه السابق.

وهذه حالة كان ينبغي تقديرها قبل وقوعها بشكل درامي بمناسبة اقتراح رئيس الجمهورية مبادرته بتغيير حكومة السيد الحبيب الصيد.

وكل الدواعي لقيام حكومة وحدة وطنية تبقى أمام السيد الحبيب الصيد دون التمسك بحكومته، إذا قدر أن المصلحة العليا تقتضي ذلك، إلا أن يسحب المجلس النيابي الثقة منه عبر عملية إجرائية، قد تفضي بالنهاية الى دعوة رئيس الجمهورية حل المجلس التشريعي أو تقديم استقالته هو نفسه والتبكير بانتخابات عامة. ومن غير المستبعد إذا مضت الأمور داخل المجلس النيابي بين صراع وتطويل، إحالة الوضعية الى وقت لاحق، لخطر داهم ونحوه على استقرار البلاد وأمنها.

حتى ليمكن القول، بأن ما أبداه السيد الحبيب الصيد من الاستعصاء على القبول بالمبادرة على غير المتوقع منه، كان نتاجَ تمثله الكامل للاستقلالية في مهامه الحكومية، وتأتّيه الحر مع دستور لم يغيّب إمكانية حصول تنازع في الصلاحيات أو السلط في الدولة.

هل يكون غاب ذلك عن رأي السيد رئيس الجمهورية أو الأطراف الموقعة على اتفاقية قرطاج بإشرافه، مع غيابه هو نفسه كرئيس للحكومة ودون مباركة مسبقة من المجلس النيابي صاحب المبادرات في هذا الشأن؟
فأعطت صفة رئيس الحكومة المستقل للسيد الصيد بعد سنة ونصف حصانة في المنصب لا نزاع فيها للدفاع عن المبدإ.

ولذلك خلقت هذه الحالة سابقة لا أول لها. ومن هنا صعوبة توقع تصور سيناريو سليم للخروج من الوضع المتأزم، في غياب مجلس دستوري طال المخاض به دون أن يتولد رغم انتهاء الآجال به، وبالنظر لمجلس نيابي افتقدت رئاسته نفسها سلطتها الاعتبارية على حزبه وانشطار كتلته البرلمانية الى أجنحة متصارعة.

وبذلك، نجدنا بعد الثورة إما الى عودة الى نظام رئاسي - وليسمه من شاء بالرئاسوي - أو المضي في نظام برلماني صيغ على غير مقاس واضح لثورة جياع ومحرومين أو ثورة مبادئ وقيم.. والذي رأينا من تفكك أحزابه العجب العجاب وتساقطها ما يشبه المحال.. ما جعل التحالفات والاستقطابات أشبه ببورصة للقيم المنقولة، واستهتار بكل المواضعات الحزبية والانتخابية وتحلل من كل الالتزامات المعنوية أو الأخلاقية.. لضمان مصالحها كرأس حربة للمؤمرات والتلون، أكثر منها للانسجام والتكامل.

وإذا افتقدنا الرجل المناسب في المكان المناسب ثم افتقدنا بعده الرجل المتحصن بمبادئه وكرامته ونزاهته، لنطيح به لمجرد الاستمساك بالعروة الوثقى، وهي الأمانة في المسؤولية والصراحة والثقة بالشعب قبل كل ثقة بالمؤسسات أو الدستور.. لأنها كلها يمكن أن تصبح مجرد أدوات صامتة لا تتحرك أو حبراً لا يترجم الى قول أو عمل، إزاء حالات كثيرة سبقت، عبر نظامين لم تكن فيهما للشخصيات ذات الوزن لمقاومة الديكتاتورية أدنى حصانة في مناصبهما. وطالما تلك المؤسسات لم تعكس إرادة الشعب الحقيقية.. وهل أقل من أن الشعب لم يدعَ الى انتخابات مباشرة بشكل استفتاء على المؤسسات أو الاختيارات المصيرية للبلاد؟ وأسقط من يده كل شيء الى أحزاب كانت بالأمس كرتونية أو مدجنة أو مغيبة في السجون والمنافي؛ فلم تجد في الثورة إلا التنفيس عن نفسها والتعويض عن كبتها وحرمانها أو التطلع الى ما هو أكثر من حظها في الحياة السياسية في زحمة ثورة، كل منها - أي من تلك الأحزاب - حاول أن لا يوليها نصيبها من الكرامة والعزة والحرية، ليضعها تحت جناحه ويجمع أصوات الناقمين من الحكم السابق لحسابه في صناديق اقتراعه، بكل فُتات النسبية الانتخابية، ليظفر بأكثر مقعد ممكن في مجلس نوابه للحكم باسم الشعب وللشعب ومن أجل الشعب. وهو يضحك على أذقان المستبعدين من جماهير الناخبين، الذين غيب أصواتهم سوء النظام الانتخابي المبني على المناورات بحسب ما بينت النتائج أو المخالفات والتجاوزات.

فاليوم كيف نفهم أن تنجح ثورة، تكون لأكبر أحزابها في أول انتخابات تأسيسية مقاعد نسبية وتمتنع عن الترشيح منها في كل مرة للانتخابات الرئاسية حتى تبقى تتحكم في لعبة المناورة الى أقصى حدود المغالطة عن نواياها في زحمة المنافسات؟
أو نفهم، أن نستمر في لعبة البرلمان الذي تتشكل مقاعده بكل ألوان الطيف المنافي للمبادئ المعلنة والبرامج الانتخابية المرفوعة عند كل تصويت، أو الذي نسمع له كل تغريد نشاز عند تقسيم الأدوار أو تحصيص للمناصب في كل حكومة أو هيئات دستورية أو لجان، دون أن نتعرف على أصحاب المبادئ فيه والمستمسكين بالقيم والتحصن بامتياز المنصب الانتخابي لدعم دولة القانون والمؤسسات وعدم الإصغاء للضغوط والابتزازات؟

فمن دون ذلك أين لنا بشخصيات وطنية حزبية أو مستقلة لها وزن لإنعاش البلاد بعد وهدتها، حتى لا نقول نكستها بالأوامر الترتيبية والأحكام الانتقالية التي سادت بعد الثورة لتصنع من مستقبل تونس ما هو بين أيدينا اليوم من نتائجه الكارثية؟
ويبقى دائماً الأمل في تحصين جبهتنا الداخلية بالديمقراطية والحرية المسؤولة لمواجهة كافة التحديات وعدم إهدار الفرص المتاحة لخلق مناخ أفضل للتنمية والديمقراطية.

تونس في 26 جويلية 2016



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، التحوير الحكومي، الثورة التونسية، الحبيب الصيد،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-07-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  من أعلام المعاصرة المثقف الكبير الأستاذ مصطفى الفيلالي
  فرنسا والغضب الأكبر
  في ذكرى العلامة حسن حسني عبد الوهاب في خمسينيته
  أبناء السياسة وأبناء النسب
  الصدريات الصفراء رفضٌ للعولمة باسم المواطنة
  سياسة المراحل والبنوة للأبوة
  وزير للدولة والوزير المُراغم للدولة
  جديد الحكومة: منح العطل لمنع الإضراب عن العمل
  المورط في مقتل خاشقجي النظام لا أفراد منه
  اختبارات الديمقراطية في تونس: بين مد وجزر
  الثقة والولاء والقسم في السياسة
  مقدمة لديوان المناجل للشاعر منور صمادح
  التقدير الخطأ
  الفرنكوفونية أو التعصب الثقافي
  ”لا نفرّق بين أحد من السبسي في الحزب كلنا أبناؤه”
  فقْد خاشقجي ولعبة الأمم
  إحياء لإدانة العدوان والمتواطئين مع العدوان: صرخة حمام الشط لم تشف منها نفس
  اللهم احم تونس
  من كان في نعمة.. أو أبلغ كلام قاله الباجي في خطابه
  انسجوا على منوال ترامب تصحوا وتسلموا
  ناتنياهو والسياسة
  القطيعة للنهضة كطوفان نابل
  الرد على الدكتور عبد المجيد النجار في التخويف من فتنة المساواة في الإرث
  المسكنة أو حديث الذكريات للشيخ راشد
  التقرير الصدمة
  قراءة في أدب أطفالنا (بمناسبة يوم المرأة في تونس)
  إتفاقيات الاستقلال الداخلي لتونس والمداولات البرلمانية الفرنسية بشأنها في كتاب
  المظلمة على ابن خلدون
  تقويم نهج البيان في تفسير القرآن
  جائزة الملك فيصل في ظل الأزمة العالمية

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
الهيثم زعفان، ياسين أحمد، سلوى المغربي، يزيد بن الحسين، بسمة منصور، صالح النعامي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد العيادي، محمود فاروق سيد شعبان، د - صالح المازقي، منجي باكير، فوزي مسعود ، رمضان حينوني، صلاح المختار، كريم فارق، صلاح الحريري، عواطف منصور، مصطفى منيغ، عدنان المنصر، إيمان القدوسي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سامر أبو رمان ، د - المنجي الكعبي، د. عبد الآله المالكي، ابتسام سعد، د - محمد بن موسى الشريف ، سحر الصيدلي، د- محمود علي عريقات، حسن الحسن، محمد عمر غرس الله، محرر "بوابتي"، حسني إبراهيم عبد العظيم، فاطمة عبد الرءوف، إسراء أبو رمان، فتحـي قاره بيبـان، جمال عرفة، د- محمد رحال، حسن عثمان، حميدة الطيلوش، محمد اسعد بيوض التميمي، د. محمد عمارة ، معتز الجعبري، كريم السليتي، حمدى شفيق ، عراق المطيري، أحمد الحباسي، وائل بنجدو، نادية سعد، حسن الطرابلسي، د. جعفر شيخ إدريس ، د. صلاح عودة الله ، محمد تاج الدين الطيبي، محمود سلطان، رضا الدبّابي، إيمى الأشقر، عبد الغني مزوز، محمود صافي ، سلام الشماع، صباح الموسوي ، سفيان عبد الكافي، العادل السمعلي، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. أحمد محمد سليمان، أحمد النعيمي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. الشاهد البوشيخي، د. نانسي أبو الفتوح، مصطفي زهران، محمد أحمد عزوز، علي الكاش، د - مضاوي الرشيد، محمد الياسين، ماهر عدنان قنديل، د. أحمد بشير، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - شاكر الحوكي ، فراس جعفر ابورمان، د - محمد بنيعيش، هناء سلامة، د - محمد عباس المصرى، أحمد ملحم، د. محمد يحيى ، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الرزاق قيراط ، فهمي شراب، د. طارق عبد الحليم، عبد الله زيدان، محمد إبراهيم مبروك، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد الطرابلسي، سامح لطف الله، الناصر الرقيق، سوسن مسعود، عصام كرم الطوخى ، محمد شمام ، مجدى داود، مراد قميزة، د. الحسيني إسماعيل ، د - محمد سعد أبو العزم، أحمد بن عبد المحسن العساف ، صفاء العربي، رافد العزاوي، رأفت صلاح الدين، د- جابر قميحة، رشيد السيد أحمد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سيد السباعي، أنس الشابي، إياد محمود حسين ، عمر غازي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أحمد بوادي، فاطمة حافظ ، علي عبد العال، الهادي المثلوثي، الشهيد سيد قطب، محمود طرشوبي، د. نهى قاطرجي ، د.محمد فتحي عبد العال، منى محروس، د - غالب الفريجات، يحيي البوليني، د. محمد مورو ، عبد الله الفقير، فتحي الزغل، د- هاني ابوالفتوح، كمال حبيب، تونسي، د.ليلى بيومي ، رافع القارصي، خالد الجاف ، أ.د. مصطفى رجب، سعود السبعاني، د- هاني السباعي، د - مصطفى فهمي، د - الضاوي خوالدية، المولدي الفرجاني، د - أبو يعرب المرزوقي، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. خالد الطراولي ، سيدة محمود محمد، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صفاء العراقي، أحمد الغريب، عزيز العرباوي، فتحي العابد، شيرين حامد فهمي ، أبو سمية، جاسم الرصيف، طلال قسومي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، حاتم الصولي، أشرف إبراهيم حجاج،
أحدث الردود
أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة