تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا.. الدروس والعبر المستوحاة!

كاتب المقال د. وسام الدين العكلة   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


مرة أخرى أثبت الشعب التركي أنه الرقم الأصعب في المعادلة السياسية وحتى العسكرية في تركيا ودخل التاريخ من أوسع أبوابه وسطر حروفه من ذهب، وألغى وللأبد القاعدة المعروفة في تركيا بأن الجيش هو "حامي العلمانية بتركيا" في إشارة إلى الأيديولوجية الكمالية التي تعتبر حتى قبل هذا المحاولة الفاشلة العقيدة الرسمية للدولة، واستبدلها بقاعدة جديدة هي "الشعب حامي الديمقراطية والدستور"، وأن الشعب الذي لمس الديمقراطية الحقيقية وعايشها لن يرضى بالرجوع إلى عهد الانقلابات الدامية وبالخضوع لحكم "البسطار العسكري" مجددًا مهما كان الثمن.

لا شك أن المحاولة الانقلابية كان مخطط لها بأحكام ودقة متناهية من حيث التنفيذ والتوقيت حيث تزامنت مع بدء عطلة الأسبوع التي يذهب معظم الناس فيها بما فيهم السياسيين للراحة بعد أيام طويلة من العمل، إلى جانب التنسيق العالي بين قادة الانقلاب في جميع المحافظات وإن تم التركيز إعلامياً على المحافظتين الرئيستين (أنقرة، إسطنبول)، واستخدام سلاح الجو وهو السلاح الأقوى في الجيش، والسيطرة على التلفزيون الحكومي وبث بيان الانقلاب الذي حاول فيه قادة الانقلاب توجيه رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأنهم سيحترمون جميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، إلى جانب السيطرة على المؤسسات الحيوية في الدولة الأمر الذي أدى إلى إثارة حالة من القلق والترقب داخل تركيا وخارجها.

في الأسباب والدوافع، لا شك أن هناك جهات خارجية شجعت ودبرت هذا الانقلاب وحصر هذه الجهات بجماعة "فتح الله غولن" أمر مبالغ فيه وستثبت التحقيقات خلال الأيام القليلة المقبلة أن هناك دول وأجهزة مخابرات خططت ودعمت وربما شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه المحاولة الفاشلة.

ولا يمكننا تحميل الحكومة التركية أي مسؤولية في التقصير للحيلولة دون وقوع ما حدث بالأمس لكن يتوجب عليها أن تعيد النظر في سياستها مستقبلاً وأن تطهر وبحزم جميع مؤسسات الدولة من مثل هؤلاء الذين باعوا أنفسهم ووطنهم لولاءات ضيقة داخلية وخارجية، لكن ما يؤخذ على الحكومة التركية هو انشغالها في السنة الأخيرة بالانتخابات وملفات أخرى كالعمليات الإرهابية التي ضربت البلاد، في حين يمكن القول أنه كان هناك نوع من التراخي في متابعة خيوط وخلايا "الكيان الموازي" داخل المؤسسة العسكرية وفي باقي مؤسسات الدولة مقارنة بالحملة القوية التي شنتها الحكومة ضد عناصر ومؤيدي هذا الكيان خلال السنة الأولى لاكتشافه في نهاية عام 2013 واستمرت طيلة عام 2014.

الحكومة التركية تعاملت باحترافية عالية وحنكة سياسية مع الأزمة وحافظت على تماسكها ووقوفها ضد الانقلاب على الديمقراطية، وما يلفت النظر وقوف قادة المعارضة الرئيسية إلى جانب الحكومة الشرعية الأمر الذي ساهم في إفشال الانقلاب وزاد من التماسك بين جميع مكونات الشعب وعدم الانجرار نحو الفوضى.

الرئيس "رجب طيب أردوغان" كان له الدور الأكبر في إفشال المحاولة الانقلابية عندما دعا المواطنين عبر " السكايب" إلى النزول إلى الشارع لرفض ما جرى والجرأة التي تحلى بها في المواجهة، وفي الوقت الذي كانت تروّج فيه بعض وسائل الإعلام عن مغادرته البلاد وطلبه اللجوء إلى ألمانيا كانت طائرته تتجه نحو مطار إسطنبول رغم المخاطر الكبيرة التي قد تواجهه من الناحية الأمنية خاصة وأن أجواء اسطنبول كانت مزدحمة بالطيران الحربي.

سيسجل التاريخ أن ليلة الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016 كانت من أصعب الليالي في تاريخ تركيا الحديث كما كانت ليلة التضامن ما بين الحكومة والمعارضة والشعب والقادة الحاليين والسابقين وتحلى الجميع بالحكمة رغم الخلافات التي كانت سائدة قبل ذلك حتى داخل حزب العدالة والتنمية وهنا لا يمكننا إلا توجيه الشكر والتقدير والاحترام لهم جميعاً ونخص بالذكر السيد "عبدالله غُل" الرئيس التركي السابق، والسيد "أحمد داود أوغلو " رئيس الحكومة السابق، والسيد "كمال كلتشدار أوغلو" رئيس الحزب الجمهوري، والسيد "دولت بهتشيلي" رئيس الحركة القومية لتغليبهم المصلحة الوطنية العليا للبلاد على جميع الاعتبارات الأخرى، والشكر الأكبر للجنرال "هاكان فيدان" رئيس جهاز المخابرات العامة الذي أثبت أن الهوية والانتماء الوطني فوق أي انتماء آخر، وللأخوة الأكراد في جنوب شرق تركيا الذين خرجوا إلى الشوارع دعمًا للحكومة الشرعية ولم يستغلوا حالة الفوضى التي سادت وأثبتوا أيضاً عمق انتمائهم وتمسكهم بوطنهم على خلاف الأحزاب السياسية والمسلحة التي تدعي تمثيلهم.

لا شك ما قام به الشعب التركي بالأمس درس يتضمن الكثير من العبر التي يجب أن يستفيد منها العالم أجمع وعلى الأخص الحكومات والأنظمة العربية إلى جانب الشعوب العربية أيضًا، وأن يُدّرس في كليات الحقوق وأكاديميات العلوم السياسية لتستفيد منه الأجيال القادمة وتعلم أن إرادة الشعب فوق كل الاعتبارات الأخرى مهما أحيطت بقدسية.

بالنهاية نوجه تحية إجلال واكبار للشعب التركي البطل وللقوات الأمنية التي رفضت الانخراط في هذه الجريمة ولكل من وقف إلى جانب الديمقراطية والشرعية، والرحمة للشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن بلدهم وشعبهم، وللإعلام التركي المستقل الذي رفض السير مع الانقلابيين، ولملايين السوريين في تركيا الذين سهروا حتى الصباح يتضرعون بالدعاء لفشل الانقلاب، والخزي والعار لكل من تآمر وخطط ونفذ وتمنى داخل نفسه أن تنجح هذه المحاولة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تركيا، محاولة الإنقلاب، الإنقلاب بتركيا، أردوغان،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 16-07-2016   ترك برس

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - شاكر الحوكي ، سحر الصيدلي، كريم فارق، عبد الله زيدان، د. عادل محمد عايش الأسطل، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، حسن عثمان، د. نانسي أبو الفتوح، د. خالد الطراولي ، د. أحمد بشير، د- هاني السباعي، د- محمود علي عريقات، د.محمد فتحي عبد العال، حميدة الطيلوش، سعود السبعاني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، حسن الحسن، عراق المطيري، وائل بنجدو، ابتسام سعد، د.ليلى بيومي ، فراس جعفر ابورمان، د- هاني ابوالفتوح، نادية سعد، مراد قميزة، جاسم الرصيف، معتز الجعبري، أحمد بن عبد المحسن العساف ، صلاح الحريري، د - أبو يعرب المرزوقي، فهمي شراب، د - محمد بن موسى الشريف ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سفيان عبد الكافي، عمر غازي، حاتم الصولي، علي الكاش، يحيي البوليني، محرر "بوابتي"، سيد السباعي، منجي باكير، صفاء العربي، محمد الياسين، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - مصطفى فهمي، د - المنجي الكعبي، محمود فاروق سيد شعبان، مصطفى منيغ، عبد الله الفقير، د. عبد الآله المالكي، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - احمد عبدالحميد غراب، عزيز العرباوي، جمال عرفة، محمد تاج الدين الطيبي، رافد العزاوي، عدنان المنصر، د. صلاح عودة الله ، عبد الرزاق قيراط ، علي عبد العال، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - الضاوي خوالدية، د - محمد عباس المصرى، إيمى الأشقر، د. طارق عبد الحليم، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، رمضان حينوني، عصام كرم الطوخى ، محمد إبراهيم مبروك، هناء سلامة، رافع القارصي، د- محمد رحال، سلوى المغربي، د. محمد يحيى ، المولدي الفرجاني، د - محمد سعد أبو العزم، خبَّاب بن مروان الحمد، أحمد النعيمي، كمال حبيب، رشيد السيد أحمد، محمد العيادي، د - صالح المازقي، يزيد بن الحسين، شيرين حامد فهمي ، صفاء العراقي، فوزي مسعود ، أحمد الحباسي، د. الحسيني إسماعيل ، محمد الطرابلسي، رضا الدبّابي، مجدى داود، محمد عمر غرس الله، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - محمد بنيعيش، منى محروس، سيدة محمود محمد، محمد اسعد بيوض التميمي، أبو سمية، تونسي، خالد الجاف ، صلاح المختار، طلال قسومي، حسن الطرابلسي، د - غالب الفريجات، محمد شمام ، أحمد ملحم، أ.د. مصطفى رجب، أنس الشابي، محمد أحمد عزوز، محمود سلطان، إسراء أبو رمان، د. جعفر شيخ إدريس ، ماهر عدنان قنديل، فتحـي قاره بيبـان، محمود صافي ، العادل السمعلي، سامر أبو رمان ، د. محمد عمارة ، الناصر الرقيق، إيمان القدوسي، صباح الموسوي ، إياد محمود حسين ، كريم السليتي، أشرف إبراهيم حجاج، د. محمد مورو ، د. مصطفى يوسف اللداوي، ياسين أحمد، صالح النعامي ، مصطفي زهران، حمدى شفيق ، أحمد الغريب، فتحي العابد، د. نهى قاطرجي ، سامح لطف الله، الشهيد سيد قطب، فاطمة حافظ ، الهيثم زعفان، عبد الغني مزوز، سوسن مسعود، د. أحمد محمد سليمان، فتحي الزغل، عواطف منصور، د. كاظم عبد الحسين عباس ، الهادي المثلوثي، د. الشاهد البوشيخي، رأفت صلاح الدين، سلام الشماع، د - مضاوي الرشيد، بسمة منصور، د- جابر قميحة، محمود طرشوبي، أحمد بوادي، فاطمة عبد الرءوف،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة