تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

منهج التفكير بالأوهام والأحلام في الميزان

كاتب المقال د. محمد الأمين مقراوي الوغليسي   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


في خضم الأحداث المأساوية التي تعصف بسفينة الأمة، وفيما تعاني من تلاحق الضربات، وتوالي النكبات، ظهر في أوساط المسلمين صنفان من الناس، شذا في تصورهما للحياة عن التصور الإسلامي الراقي، وعن الهدي النبوي في كيفية التفاعل مع الواقع، حيث اتخذ الصنف الأول الأماني والأحلام منهجا حياتيا، واتخذ الصنف الثاني التفكير بالأوهام منهجا للتفاعل مع الأحداث التي تمر بالمسلمين اليوم، بدل التفاعل مع الحياة بمنهج العمل والتكيّف الإيجابي، والمغالبة والتغيير، ومن خلال التصور الحضاري للإسلام.

الغارقون في الأحلام

وهو فريقٌ شاذ الوجهة، غريبُ اللغة؛ لأنّه اختار الأحلام لغة، والنوم حلا، والانعزال ملاذا، ولم يعد أمره خاصا ببعض الأفراد، بل إن الواقع يظهر أنّه يتضخم يوما بعد يوما، وأهم ميزة لهذا الصنف أنه يتخذ من الأحلام منهجا للتفاعل مع الحياة، سواء أكان الأمر متعلقا بالأمور الشخصية، أو بالأمور العامة للأمة الإسلامية.

وازداد انجذاب الكثيرين نحو هذا المنهج مع انتشار صيت البرامج الفضائية الربحية التي تعتمد تفسير أحلام المتصلين، والتي تأتي ببعض من لا يخاف الله تعالى في أمة الإسلام، ويقوم بتفسير كل حلم يعرض عليه، دون معرفة حقيقة هذا الحلم، ولا حقيقة المتصل، ولأن السذاجة الفكرية قد صارت رائجة اليوم، فإنّ هذا الميدان أصبح من الميادين التي يفضلها الكثير من الباحثين عن الشهرة والمال على ظهر الغافلين والسطحيين من المسلمين.

خطورة التهوين من هذا المنهج

ومن الخطأ التهوين من خطورة هذا المنهج، خاصة بعد أن ثبت استثمار أعداء الإسلام فيه، لضرب صورة المسلمين، وقد وجد الملاحدة -على سبيل المثال- في هذا الأمر وسيلة للطعن في الإسلام، ووصمه بالخرافة والدجل، ومحاولة استغلاله لتنفير الناس منه، أو زعزعة ايمان النّاس، خاصة الشباب المثقف غير المحصن بالثقافة الإسلامية الأصيلة، الأمر الذي يستحق أن يجد من ردا وتصديا من أهل العلم والثقافة الإسلامية في أمتنا.

أسرى الأوهام
وواقع هذا الفريق لا يقل خطورة عن الأول، قد غلبه اليأس، وأثّر فيه الضعف، وانهارت عليه جدر الإحباط، وخارت عزيمته، وتلاشت رباطة جأشه، بعد أن اختار الانحياز إلى العالم الموهوم، وسيلة للهروب من العالم المشهود، وغذّى اختياره هذا: الهزيمة النفسية وسذاجة الفكر، وضياع الوعي، وغياب الإدراك، بعدما غطّت حجب الضلالة على العقول، فجعل الاستنجاد بالأوهام سبيلا للخلاص، وترك المنهج الثابت عن خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وهانت عليه عزّته، فارتضى أن يعيش بغير عقل، ودون ميزان صحيح.

مظاهر مرض الوهم الحضاري

وأبرز مظاهر مرض الوهم الذي أصاب هذا الفريق من النّاس ركونه إلى نفسية انتظار المنقذ، وتبنيه فكرة المخلِّص، وهي فكرة ضالة مصادمة للفطرة والعقل والشرع، تبناها اليهود والنّصارى من قبل والرافضة من بعدهم، فلم تزدهم إلّا ضلالا وخسرانا.

الحياة قاعة انتظار أم ورشة عمل؟

إنّ الإسلام لا يربي أتباعه على القعود، بحجة انتظار البطل القادم، ويرفض التغني بأمجاد السابقين من الفاتحين والمصلحين، دون الاقتداء بهم، والسعي نحو التمثل بمنهجهم وأخلاقهم، بل إنّ الإسلام لا يتحدث عن الفرد المنقذ، بقدر ما يتحدث عن تغيّر المجتمع ككتلة واحدة، فالمجتمع الصالح يثمر قائدا صالحا، يواصل بالجموع مسيرة البناء، ويجسد مجتمع التقوى، والحياة المتزنة بوفرة الحقوق، وأداء الواجبات.

لذلك يسعى الإسلام لتخريج أجيال صالحة، ترتبط بمنظومة قيادة راشدة، تنشر العدل والخير، ولا يسعى لتغيير الأجيال بانتظار مخلّصين غير موجودين في الواقع، وما نسمعه من الكثيرين من الاحتفاء بالفاروق رضي الله عنه، أو صلاح الدين، وتمني ظهور أمثالهم من واقع فاسد، وأجيال مثخنة بالفتور، دون الالتفات إلى المدرسة التي تربى فيها هذين الرمزين الخالدين، ودون الالتفات إلى المجتمع الذي تخرّجا منه يصادم التصور الإسلامي لحقائق التغيير الاجتماعي.

إنّ الرموز التي يتغنى بها الكثيرون كانت ثمرة مجتمع فاضل، تملأ قيم العمل والواجب دنياه، وينفض عنه باستمرار مظاهر الخمول والكسل الاجتماعي، الذي ينتج العطالة الحضارية والرسالية.

المسلم بين نفسيتين
إنّ الأحلام والأوهام ليست المنهج الإسلامي الأمثل في التعاطي مع مسائل الحياة، ولم تكن يوما الحادي في المسير، والهادي للطريق، ولم تكن السبيل الأمثل للتغيُّر والإصلاح، بل إن قيم الواجب والبذل، هي المنهج الأقوم لتغيير الأحوال والأجيال، من السلبية إلى الإيجابية، وهذا من سنن الله التي لم تخرمها القرون الماضية، ولن تخرمها أحلام العقول الخاوية.

المنهج الإسلامي في التفاعل مع الحياة

إنّ آيات مثل: قوله تعالى " وافعلوا الخير" وقوله جلّ شأنه: " قل سيحوا في الأرض" وقوله تعالى: " فاضربوا في الأرض"، والآية: " سارعوا إلى مغفرة من ربكم"، وقوله سبحانه: " سابقوا إلى مغفرة من ربكم" وقوله عزّ وجلّ: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله"، وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام مثل: حديث الفسيلة، واشتراطه عليه الصلاة والسلام في المبايع أن لا يسأل النّاس شيئا، وتشديد الوعيد في حق المتسوّل، وحض الإسلام على العمل والتجارة والرياضة، وحديث اليد العليا، والأدعية التي جاءت تتعوذ من العجز والكسل والوهن، وحديث: "بادروا بالأعمال" وحديث " أحب العباد إلى الله أنفعهم للنّاس"، كل ذلك يثبت أنّ الإسلام دين العمل والنفع والخير، وأنّ المسلم مطالب بالتكيف مع الحياة في أقسى الظروف، ولكن بالعمل والاجتهاد، لا بالجبن والخوف والبطالة الفكرية والبدنية، وهو ما فهمه السابقون وتلبسوا به، فأفلحوا في بناء حضارة إسلامية عظيمة، لا تزال أثارها حاضرة إلى اليوم، ولن تعود هذه الحضارة إلا بالقيم التي بنيت عليها أولا.

"إن لم تنفع فضر"

إن الهروب من الحاضر إلى الماضي، ومن الواقع إلى الأوهام والأحلام، لن يغير واقعا، ولن يسعد أحدا، ولن ينقذ مجتمعا يغرق، ولن يردع عدوا، إنما الحركة الإيجابية في الحياة هي الوسيلة الأجدر بإصلاح وتغيير الواقع، وقديما قالت العرب: " إن لم تنفع فضرّ"، والمقصود بذلك المبالغة في ذم التبلد والعجز، وأنّ الإنسان لا يليق به القعود والهروب، بل التدافع والتحرك أنفع لحياته ولمجتمعه.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

التفكير، الفكر، مشكلات الفكر، تأملات،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 30-06-2016   المصدر: الإسلام اليوم

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فراس جعفر ابورمان، سامح لطف الله، د - محمد سعد أبو العزم، ماهر عدنان قنديل، رحاب اسعد بيوض التميمي، حميدة الطيلوش، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - محمد عباس المصرى، سوسن مسعود، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، المولدي الفرجاني، محمد اسعد بيوض التميمي، د. عبد الآله المالكي، محرر "بوابتي"، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- محمد رحال، محمد الياسين، فتحي العابد، رأفت صلاح الدين، الشهيد سيد قطب، حمدى شفيق ، صفاء العربي، فتحـي قاره بيبـان، صلاح الحريري، رشيد السيد أحمد، محمد تاج الدين الطيبي، رضا الدبّابي، أنس الشابي، سعود السبعاني، محمد إبراهيم مبروك، وائل بنجدو، حسن الحسن، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، كمال حبيب، فاطمة حافظ ، أحمد النعيمي، سيدة محمود محمد، د- هاني ابوالفتوح، إسراء أبو رمان، فهمي شراب، د. نهى قاطرجي ، جاسم الرصيف، كريم فارق، حاتم الصولي، د. نانسي أبو الفتوح، د. مصطفى يوسف اللداوي، سلوى المغربي، خالد الجاف ، عواطف منصور، د. محمد مورو ، صفاء العراقي، محمود طرشوبي، بسمة منصور، عزيز العرباوي، أشرف إبراهيم حجاج، يزيد بن الحسين، د. الحسيني إسماعيل ، د- محمود علي عريقات، رافد العزاوي، تونسي، محمد عمر غرس الله، رافع القارصي، ابتسام سعد، مجدى داود، هناء سلامة، صلاح المختار، عبد الرزاق قيراط ، د.محمد فتحي عبد العال، د. محمد عمارة ، العادل السمعلي، عصام كرم الطوخى ، أحمد الغريب، د - أبو يعرب المرزوقي، د - مصطفى فهمي، كريم السليتي، الناصر الرقيق، مصطفى منيغ، منى محروس، د. أحمد بشير، خبَّاب بن مروان الحمد، محمد شمام ، صالح النعامي ، الهادي المثلوثي، سفيان عبد الكافي، منجي باكير، نادية سعد، د. جعفر شيخ إدريس ، أحمد الحباسي، يحيي البوليني، علي الكاش، حسن الطرابلسي، محمد الطرابلسي، عدنان المنصر، عراق المطيري، علي عبد العال، د.ليلى بيومي ، إيمان القدوسي، د. صلاح عودة الله ، د. أحمد محمد سليمان، حسن عثمان، حسني إبراهيم عبد العظيم، عبد الغني مزوز، د - الضاوي خوالدية، شيرين حامد فهمي ، سحر الصيدلي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمود فاروق سيد شعبان، محمد أحمد عزوز، محمود سلطان، د- هاني السباعي، فاطمة عبد الرءوف، سيد السباعي، د - احمد عبدالحميد غراب، معتز الجعبري، د. محمد يحيى ، جمال عرفة، فوزي مسعود ، د - صالح المازقي، الهيثم زعفان، سامر أبو رمان ، مصطفي زهران، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد بن موسى الشريف ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، صباح الموسوي ، فتحي الزغل، أحمد بوادي، د - مضاوي الرشيد، د. طارق عبد الحليم، مراد قميزة، إيمى الأشقر، د. خالد الطراولي ، د - محمد بنيعيش، أحمد ملحم، عبد الله الفقير، سلام الشماع، د - المنجي الكعبي، د. عادل محمد عايش الأسطل، أ.د. مصطفى رجب، ياسين أحمد، طلال قسومي، محمد العيادي، محمود صافي ، عمر غازي، رمضان حينوني، د. الشاهد البوشيخي، د - غالب الفريجات، د - شاكر الحوكي ، أبو سمية، إياد محمود حسين ، عبد الله زيدان، د- جابر قميحة،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة