تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس ... لقد انهار التزييف

كاتب المقال  محمد هنيد   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


كان مصطلح "الانقلاب" مصطلحا شديد الوقع على قارئ يوصّف الحالة التونسية ويستحضر منذ ثلاث سنوات المشهد المصري حيث ما كان يمكن مقارنة المذابح التي ارتكبها الجنرال الانقلابي هناك في حق الشرعية بالمسار المعقد للمشهد التونسي. لكن اليوم، ومع إعلان رئاسة الجمهورية عن ضرورة الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية، وتلميح الجميع بما فيهم محافظ البنك المركزي إلى إمكانية إفلاس بعض البنوك، وإلى أن الحال المالي خطير وخطير جدا، فإن الوضع لا يدع مجالا للشك في أن الدولة العميقة التي قادت الثورة المضادة على مهد ثورة الغضب العربية توشك على الانهيار.

أما تزكية الحليف "الإسلامي" لمطلب مُمثل الثورة المضادّة في الحكم فهي تؤكد معطيين أساسيين: الأول هو أن الوضع خطير فعلا، وأن البلاد على شفا حفير عميق جدا. وأما المعطى الثاني فيتجلى في انحسار خيارات "حركة النهضة" بعد أن تحالفت مع ممثل دولة العمق، ورهنت نفسها بشكل لصيق بقرارات المجموعة الحاكمة وهو ما يجعل من التزكية المطلقة حلا أوحدَ خشية تحمّل مسؤولية الانزلاق الذي ينجم عن النقد أو التشكيك في خيارات الحزب "نداء تونس" الوريث الثوري لنظام بن علي.

الدولة على وشك الانهيار، أو بتعبير أدق فإن الانقلاب الناعم على وشك الانهيار لأنه تحقق على حساب شعارات ثورة 17 كانون الأول/ ديسمبر الخالدة عبر انتخابات مزيفة باعتراف الدولة العميقة نفسها. فبقطع النظر عن الجُبن الذي أحاط بردود أفعال "الترويكا" الحاكمة ومجمل النخب التونسية غداة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية حيث لم يجرؤ واحد منهم على التصريح علنا بأن الانتخابات كانت مزيفة عموديا وأفقيا، فإن الوقائع اليوم تؤكد أن منظومة الفساد السابقة للثورة هي التي لا تزال تمسك بزمام الأمور في مهد الربيع العربي.

اليوم، واليوم فقط، ندرك أن الوضع القائم في تونس وكذلك في مصر ـ بشكل أكثر حدّة ـ لا يختلف عن الوضع السابق للانفجار الكبير، وأن الدولة العربية العميقة بأذرعها المختلفة قد نجحت في حرف الثورات عن المسار المراد لها ومنعها عن بلوغ الأهداف التي رسمها وعي الجماهير بضرورة تبديد أوهام الاستبداد وجرائمه.

من جهة أخرى، حفلت منصات النخب التونسية بالتهليل لإسقاط الحكومة والدعوة إلى تكوين حكومة جديدة يسيل لها لعاب نُخب بن علي وقد تربّت في حضن الاستبداد، ورضعت من ثقافته، وتشكلت على ردود الأفعال التي أرادها لها. صرّح الجميع بأنه لابد من مرحلة إنقاذ جديدة في نسق دوري لا ينتهي إلا بإنقاذ الإنقاذ نفسِه من الإنقاذ أي تدوير الوهم والإيهام بأن الجديد قادر على إخراج البلاد من الأزمة العصيّة التي تمر بها. البعض ممن بارك الانقلاب التونسي الفاشل الذي تلا الانقلاب الدامي في مصر ممن شاركوا فيما يسمى تونسيا بـ"اعتصام الأرز بالفاكهة" صيف 2013 لم يتردد في قبوله للتضحية وتلبية نداء الواجب لو اختير للمهمة المقدسة.

نقول دائما إن ولاعة البوعزيزي المباركة قد أنجزت أعظم أفعالها عندما عرّت النخب التونسية والعربية عامة خاصة تلك المتاجرة بحقوق الإنسان وبالمقاومة والممانعة وكشفت زيف الإيديولوجيات السياسية التي لم تكن غير حوانيت للاسترزاق الرخيص على دماء الفقراء والشهداء والمسحوقين.

اليوم لا يكتفي فعل الولاعة السحري المتواصل بتعرية جشعها وتكالبها على المناصب والامتيازات ثم المتاجرة بهموم الفقراء، بل يعري خاصة فشلها وعجزها عن إنجاز المسار الانتقالي والذهاب بالبلاد نحو حفير الإفلاس والفوضى عبر التحالف بين قوى المال الفاسد وبين تجار الإيدولوجيا السياسية وبائعي الشعارات البرّاقة.

"بن علي" رغم كل جرائمه فإنه كان الرجل الوحيد الذي أتقن التعامل مع النخب السياسية التونسية بأن دجّنها فأحسن تدجينها، لكنها اليوم وقد أطلقت من عقالها تعود من جديد إلى إعادة إنتاج الاستبداد.

الانهيار التونسي اليوم لا يمثل انهيارا للدولة الوطن كما توهم به منظومة العصابات الحاكمة والمتحالفين معها، بل هو انهيار للدولة بما هي منظومة استبدادية توهم بوجود الدولة وبوجود المؤسسات، في حين انكشفت بعد هروب الرئيس السابق عن مجموعة مترابطة ومقننة من أدوات النهب المنظم والفساد المقنن وتطويع كل آليات السلطة من أجل ذلك وهي ما اصطلح عليه في المعجم الثوري التونسي "بدولة الفساد".

ما الحل إذن؟ فقد نزع المسار الانتقالي نحو استعادة دولة الفساد واستنساخ الاستبداد بتشكيل ثوري تطور إلى حدود فرض "منطق الأمر الواقع"، وفرض نخب نجح النظام العالمي في تسويقها على أنها كانت طوق نجاة الثورة التونسية، مستحضرا بشكل غير مباشر حالات الفوضى التي تعم مجالات أخرى من مجالات الربيع العربي.

"جائزة نوبل" التي منحها النظام الدولي العالمي "للرباعي الراعي للانقلاب" ـ على حد تعبير نشطاء الفضاء الافتراضي في تونس ـ هي عنوان آخر من عناوين إسناد أنظمة الوكالة العربية دوليا. وهو إسناد يوازيه إغراق متعمّد للدولة بالقروض الاستعمارية المجحفة في حق أجيال قادمة. هي قروض تسند لبلد عاجز عن السداد، وهي تُدفع من أجل تسديد قروض أخرى متخلدة بذمة اقتصاد النهب الوطني، أي أنّ القروض المزعومة لن تغادر خزائنها، ولن تخرج من الصندوق المقرِض بل سيذهب بعض منها إلى جيوب الإقطاعيين أنفسهم الذين يسيطرون على ثروات تونس واقتصادها منذ نصف قرن من الزمان بعد أن مكنهم الاستعمار من ثروات البلاد اعترافا بخدماتهم في التمكين له.

نجاح الفساد في أعلى الهرم وازاه فساد أعظم في أسفل الهرم من خلال الجرائم الكبرى التي ارتكبتها النقابات العمالية عبر آلاف الاعتصامات والإضرابات التي ركعت الاقتصاد وأدمت خاصرة المجتمع، وهو ما جعل النظام الدولي يمكّن "اتحاد الخراب وقطع الأرزاق" ـ كما يسميه الشباب التونسي على مواقع التواصل الاجتماعي ـ من جائزة نوبل.

لا حل اليوم غير مصارحة الشعب التونسي بحجم الجريمة وتحييد النخب الفاسدة ومحاسبتها بعد الفشل الذريع الذي خططت له منذ تسلمها مقاليد الحكم، ومحاسبة العصابات التي تهدد بإلقاء البلاد في أتون أزمة قاتلة قد تنفتح على ما لا يحمد عقباه من الاحتمالات خاصة وأن فزاعة الإرهاب والتهديدات الإرهابية لم تعد تجدي نفعا بعد انكشاف تورط النظام السابق وبقاياه في هندسة أغلب الجرائم الإرهابية التي ارتكبت منذ الثورة بما فيها إرهاب قناصة النظام، وإرهابه الإعلامي الذي لا يتوقف.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، الإنقلاب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 16-06-2016   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سحر الصيدلي، ياسين أحمد، الهيثم زعفان، محمد إبراهيم مبروك، أحمد بوادي، فاطمة حافظ ، د - محمد عباس المصرى، عزيز العرباوي، رشيد السيد أحمد، نادية سعد، سعود السبعاني، د- جابر قميحة، إسراء أبو رمان، سلام الشماع، خالد الجاف ، محمد عمر غرس الله، صفاء العراقي، هناء سلامة، د - محمد بن موسى الشريف ، محمد شمام ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مجدى داود، حسن عثمان، صلاح الحريري، د - مصطفى فهمي، محمود سلطان، محمد تاج الدين الطيبي، د - غالب الفريجات، د - الضاوي خوالدية، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود فاروق سيد شعبان، رمضان حينوني، عصام كرم الطوخى ، د- هاني السباعي، سلوى المغربي، د - صالح المازقي، كريم السليتي، أبو سمية، فتحي الزغل، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الرزاق قيراط ، د. طارق عبد الحليم، مراد قميزة، أشرف إبراهيم حجاج، إياد محمود حسين ، فتحي العابد، د. الشاهد البوشيخي، د. نهى قاطرجي ، فتحـي قاره بيبـان، محرر "بوابتي"، طلال قسومي، د.ليلى بيومي ، سيدة محمود محمد، علي الكاش، خبَّاب بن مروان الحمد، ماهر عدنان قنديل، جاسم الرصيف، د. محمد مورو ، صفاء العربي، إيمان القدوسي، عبد الله زيدان، يحيي البوليني، د. أحمد محمد سليمان، شيرين حامد فهمي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، العادل السمعلي، بسمة منصور، حسن الطرابلسي، حاتم الصولي، د - المنجي الكعبي، د - أبو يعرب المرزوقي، جمال عرفة، د. محمد عمارة ، د. نانسي أبو الفتوح، حميدة الطيلوش، المولدي الفرجاني، د. عبد الآله المالكي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. أحمد بشير، الناصر الرقيق، منجي باكير، د. الحسيني إسماعيل ، أ.د. مصطفى رجب، رحاب اسعد بيوض التميمي، د- محمود علي عريقات، د- هاني ابوالفتوح، أحمد الغريب، سامر أبو رمان ، حسن الحسن، علي عبد العال، يزيد بن الحسين، ابتسام سعد، رافع القارصي، أحمد ملحم، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. جعفر شيخ إدريس ، صالح النعامي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عراق المطيري، د. صلاح عودة الله ، رأفت صلاح الدين، محمد اسعد بيوض التميمي، د - محمد سعد أبو العزم، د - مضاوي الرشيد، عبد الله الفقير، الشهيد سيد قطب، تونسي، أحمد النعيمي، إيمى الأشقر، فوزي مسعود ، محمد أحمد عزوز، محمد الياسين، كمال حبيب، وائل بنجدو، محمود طرشوبي، محمد العيادي، أحمد الحباسي، سفيان عبد الكافي، محمد الطرابلسي، عبد الغني مزوز، د. محمد يحيى ، د- محمد رحال، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أحمد بن عبد المحسن العساف ، صباح الموسوي ، د. خالد الطراولي ، كريم فارق، د.محمد فتحي عبد العال، سيد السباعي، فهمي شراب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حمدى شفيق ، رضا الدبّابي، فراس جعفر ابورمان، عواطف منصور، عمر غازي، الهادي المثلوثي، د - شاكر الحوكي ، سوسن مسعود، عدنان المنصر، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، صلاح المختار، د - محمد بنيعيش، فاطمة عبد الرءوف، د - احمد عبدالحميد غراب، مصطفى منيغ، مصطفي زهران، سامح لطف الله، أنس الشابي، معتز الجعبري، رافد العزاوي، محمود صافي ، منى محروس،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة