تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

بيانية العقل المسلم والغرب

كاتب المقال د. حسان عبد الله   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


اتصل المسلمون بالغرب في العصور الإسلامية الباكرة، فعرفوا حضارته واستوعبوها، دون أن يتأثروا بها في تصوراتهم ورؤاهم الأساسية، وذلك بفضل القوة النفسية من ناحية، وامتلاك القدرة المعرفية والمنهجية المستمدة من الرؤية الكلية المستقلة والمتفردة والتصور الحضاري الشامل من ناحية أخرى. ثم تجاوز المسلمون حضارة الغرب، وأسسوا حضارة عرفت في التاريخ الإسلامي ونسبت إلى عقيدتهم ودينهم وهي “الحضارة الإسلامية”.

ثم كان اللقاء الثاني على “خوف من الغرب وفكره وعمله”، والذى تزامن مع التراجع الحضاري للعقل المسلم وإصابته بالجمود والذبول الفكري، وفقدانه لقوته النفسية وقدراته المعرفية والمنهجية الذاتية الدافعة – والذى تجاوز في خطورته فقدان مؤسسة الخلافة ذاتها – هذا مع بروز التفوق الغربي في مجال العلوم والاكتشافات العلمية، أو ما يمكن أن نسميه بـ”الأرصدة المادية للحضارة”، وتزامن ذلك – أيضًا – بالاحتلال الغربي العسكري للعالم الإسلامي المفكك سياسياً وفكرياً، فكان “الاستدراج” الفكري والثقافي أداة الغالب، والاستتباع حيلة المغلوب وحالته.

تحرك العقل المسلم إزاء هذا الاتصال الثاني بالغرب حركتين: الأولى، حركة الخائف والمتوجس من “الانصهار” و”الذوبان” في نهر التفوق الغربي، وسارت هذه الحركة في مسارين أساسيين:

الأول : تمثل في اتجاه التعبئة والتحذير للعقل المسلم من “الاستلاب” و”الغزو الفكري والثقافي” و”التغريب” كما عند رشيد رضا ومحب الدين الخطيب ومصطفى صبري وجلال آل أحمد.

والمسار الثاني: تبنى دعوة “المقاومة” و”استعادة الهوية” في مقابل “الآخر”، فظهرت في صورة ردود تحمل عناوين “الإسلام والمدنية”,”الدين والعلم” كما عند محمد عبده ومصطفى الغلاييني وأحمد عزت باشا أو في دعوات تجديدية كما عند محمد إقبال .

أما الحركة الثانية للعقل المسلم، فهي حركة يبدو فيها طابع “التسليم” بتفوق الحضارة الغربية وتفوق حضارته ونهضته، وسارت هذه الحركة – أيضاً – في مسارين:

الأول – حاول التوفيق بين عناصر الذات الأصيلة وما أنتجه الفكر الغربي من نظريات واكتشافات تحت عنوان “التوفيق” بين منجزات هذه الحضارة وبين المبادئ الإسلامية كما عند الطهطاوي ، أما المسار الثاني – فاتخذ من منهجية “النقل والاقتباس” طريقًا لاستعادة الدور والمكانة، وهو ما عرف بمسار “التغريب” ويظهر جليًا عند طه حسين وإسماعيل مظهر ونامق كمال ومدحت باشا ورضا خان.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهر مسار آخر في تناول وقراءة الفكر الغربي، يقوم على الانطلاق من الذات، ومن استحضار القوة الدافعة الوجدانية، مع امتلاك المنهجية المعرفية الذاتية، وذلك بهدف تحقيق الاستيعاب القائم على التبصر والبصيرة الحضارية. ومن الذين أسسوا لهذه “المدرسة الحضارية” مرتضى مطهري ومحمد حسين الطباطبائي في “أسس الفلسفة والمذهب الواقعي”، ومحمد باقر الصدر في “فلسفتنا” و”الأسس المنطقية للاستقراء”، وعلي شريعتي في “العودة إلى الذات”، وعلي عزت بيجوفيتش في “الإسلام بين الشرق والغرب”, ومراد هوفمان في “الإسلام كبديل”، وغيرهم ممن ساهموا في تأسيس قراءة معاصرة للفكر الغربي لا تقوم على “الخوف” أو “التعبئة” أو “الاستلاب” أو ” التلفيق”، بل تقوم على تأسيس منظور حضاري قائم على الانفتاح على الآخر واستيعابه، انطلاقًا من الثوابت الحضارية التي قامت عليها للشخصية المسلمة، واستهدافًا لاستعادة الدور والمكانة وفقًا لهذه الثوابت الحضارية.

إن مفردة “الغرب” والموقف منه، ومنهجية التعامل معه تعد أحد أهم العوامل في مسار الإصلاح الحضاري، ولا ينبغي تجاهله، أو الارتماء في أحضانه والتماهي مع مشروعه المادي، ومن ثم فلابد لمراكز التفكير والبحوث في أمتنا أن تتابع جهود الإصلاح المعرفي لاسيما في هذا المحور (التعامل مع الغرب) ومتابعة المنهجيات المطروحة التي تنطلق من رحم هذه الأمة، ومن مصادرها الأصيلة، ومراكز تفكيرها وهي في ذلك عليها أن تمتلك معرفتين أساسيتين.

الأولى: معرفة الذات الإسلامية (عقيدتها، حضارتها، ثقافتها) حق المعرفة من خلال العلم والدراسة بهذه الذات.

الثانية: إدراك الثقافة العلمية المعاصرة وروح العلم الحديث، والاستفادة بكافة منجزات الحضارة الغربية المعاصرة.

ويطرح عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) رؤية معرفية لدرس الفكر الغربي تحت عنوان (مشروع رؤية نقدية للفكر الغربي) والذي أكد فيه أن كل من يود أن يطور مشروعًا معرفيًّا مستقلًا عليه أن يبدأ شاء أم أبى بنقد المشروع الغربي نظرًا لذيوعه وهيمنته ويمكن لهذه العملية النقدية أن تُنجز بالبحث والدرس المعرفي في مراكز التفكير كما يلي:

أ_ تأكيد نسبية الغرب.

ب_ تراجع المركزية الغربية.

ج_ أزمة الغرب.

وهذه العمليات تنجز من خلال إدراك الفكر الغربي الاحتجاجي أو المضاد، وعلم الأزمة، والدراسات النقدية في خصوصية الحضارة الغربية.

ويقدم _أيضًا_ علي شريعتي خطة علمية وفكرية تتحدد من خلالها مسارات معرفية وبحثية في درس الفكر الغربي الحديث والمعاصر، تتمثل في العناصر التالية:

أ – دراسة تاريخ الغرب مع العناية أكثر بالتطور الاجتماعي وتطور الحضارة الأوروبية.

ب – مسيرة الحركة الفكرية في الغرب، مع العناية بعصر النهضة حتى عصرنا الحاضر، والتركيز على الموضوعات الكلية الجامعة التالية:

– معرفة عصر النهضة، والأبعاد الاقتصادية (والطبقات البرجوازية ونموها، والتجارة العالمية وعلاقتها بالشرق الإسلامي أي جذورها الثقافية والفكرية).

– معرفة البروتستانتية عند (لوثر وكلفن) مع مقارنتها بالإسلام، والدور الذي لعبته في تنمية الحضارة الصناعية والنضج العلمي والمادي في أوروبا.

– معرفة أسس البنية الفكرية والثقافية للغرب المعاصر (بيكون، وكانت، وديكارت، وهيجل، وفيتشه، ونيتشه، واشبنجلر، واسبينوزا، وباسكال، وهايدجر، وسارتر، …).

– معرفة الأحداث الاجتماعية والمفكرين السياسيين الاجتماعيين في الغرب: (الثورة الفرنسية الكبرى، الثورة الصناعية في إنجلترا، …). (إبراهيم الدسوقي، الثورة الإيرانية، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، ط2، 1988م، ص182).


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

نظرية المعرفة، الغرب، التبعية للغرب، العقل المسلم، النقد،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 9-05-2016   المصدر: إسلام أون لاين

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. الشاهد البوشيخي، محمود فاروق سيد شعبان، فاطمة حافظ ، سوسن مسعود، عواطف منصور، إيمان القدوسي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، منى محروس، صلاح المختار، أحمد النعيمي، فهمي شراب، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أحمد الحباسي، مراد قميزة، د - احمد عبدالحميد غراب، د. محمد عمارة ، رشيد السيد أحمد، هناء سلامة، فاطمة عبد الرءوف، حاتم الصولي، د. مصطفى يوسف اللداوي، طلال قسومي، فتحـي قاره بيبـان، منجي باكير، حسن الطرابلسي، د- محمود علي عريقات، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - عادل رضا، د - شاكر الحوكي ، حسن عثمان، د. الحسيني إسماعيل ، د - محمد بن موسى الشريف ، د- هاني السباعي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، إسراء أبو رمان، محمود صافي ، د. أحمد محمد سليمان، سلام الشماع، الشهيد سيد قطب، العادل السمعلي، د. خالد الطراولي ، ماهر عدنان قنديل، د. نهى قاطرجي ، خبَّاب بن مروان الحمد، بسمة منصور، سيدة محمود محمد، د - محمد سعد أبو العزم، أحمد ملحم، أبو سمية، خالد الجاف ، عبد الله الفقير، د . قذلة بنت محمد القحطاني، مجدى داود، رافد العزاوي، وائل بنجدو، عبد الغني مزوز، علي الكاش، د- هاني ابوالفتوح، صفاء العربي، د. محمد مورو ، أ.د. مصطفى رجب، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عزيز العرباوي، د - صالح المازقي، سيد السباعي، صفاء العراقي، رمضان حينوني، مصطفي زهران، رضا الدبّابي، فوزي مسعود ، د.ليلى بيومي ، محمود سلطان، د - محمد بنيعيش، سامر أبو رمان ، نادية سعد، محمد الياسين، عمر غازي، حمدى شفيق ، إيمى الأشقر، مصطفى منيغ، محمد شمام ، صباح الموسوي ، حميدة الطيلوش، أنس الشابي، محرر "بوابتي"، محمد الطرابلسي، يزيد بن الحسين، عدنان المنصر، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. نانسي أبو الفتوح، جاسم الرصيف، أحمد الغريب، محمد عمر غرس الله، د - المنجي الكعبي، د. طارق عبد الحليم، سعود السبعاني، د- محمد رحال، حسن الحسن، الهادي المثلوثي، يحيي البوليني، د - محمد عباس المصرى، د - مضاوي الرشيد، فراس جعفر ابورمان، إياد محمود حسين ، عصام كرم الطوخى ، د. محمد يحيى ، سحر الصيدلي، سفيان عبد الكافي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. صلاح عودة الله ، علي عبد العال، ابتسام سعد، محمود طرشوبي، د - أبو يعرب المرزوقي، كريم السليتي، الهيثم زعفان، د.محمد فتحي عبد العال، رافع القارصي، محمد اسعد بيوض التميمي، سلوى المغربي، د- جابر قميحة، د - الضاوي خوالدية، عراق المطيري، عبد الله زيدان، معتز الجعبري، محمد تاج الدين الطيبي، صالح النعامي ، جمال عرفة، شيرين حامد فهمي ، د - مصطفى فهمي، أحمد بوادي، صلاح الحريري، فتحي الزغل، عبد الرزاق قيراط ، سامح لطف الله، ياسين أحمد، الناصر الرقيق، د. جعفر شيخ إدريس ، د. عبد الآله المالكي، المولدي الفرجاني، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد إبراهيم مبروك، كمال حبيب، محمد أحمد عزوز، رأفت صلاح الدين، د - غالب الفريجات، د. عادل محمد عايش الأسطل، كريم فارق، محمد العيادي، د. أحمد بشير، تونسي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أشرف إبراهيم حجاج، فتحي العابد،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة