تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

حكومة تكنوقراط، وما زلنا في مرحلة التجارب

كاتب المقال د. ضرغام الدباغ - ألمانيا    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


على سؤال من مدير الندوة، عن حكومة تكنوقراط يعد بها السيد العبادي بأنها ستصلح ذات الحال في العراق.

لنتحدث اليوم بلغة الاقتصاد والعلم بعيداً عن السياسة .... فبعد نيف وثلاثة عشر عاماً وما زلنا والعراق ما زال في مرحلة التجارب، وأغلب الظن أن مشروع حكومة التكنوقراط إن شاهد النور، لكن المشكوك به في ظل المعوقات الحالية التي لا تحصى أن يجد سكة الإقلاع، وسينتهي به الحال كما انتهت الحكومات السابقة التي توالت على الحكم بعد الاحتلال.

على ماذا نؤسس تقديرنا هذا ..؟

حكومة التكنوقراط لها مهمة رئيسية وهي المباشرة بالإقلاع في عملية التنمية، ويعرف كل متخصص في الاقتصاد أن هناك فرعاً من فروع الاقتصاد يسمى اقتصاد التخلف أو اقتصاد التنمية (Development Economics) ودراسة أولية لهذا الفرع، ندرك أن شروط التنمية معقدة وصعبة، وهي سلسلة متكاملة من الحلقات، لابد من توفير شروطها، أو على الأقل الابتدائية منها للبدء بعملية الإقلاع. وعدم توفرها يعني أن النية متوفرة ولكن لا شيئ غير ذلك، وأي اقتصادي يعلم اليوم أن شروط التنمية متعثرة جداً في العراق، بل هناك نقص فاضح في العناصر الرئيسية فيها، وفي مقدمة تلك هي تخصيصات مالية للاستثمار والتنمية، في حين أن الخزينة العراقية تشكو من إفلاس أو شبح إفلاس، والبنى الارتكازية (Infrastruktur) تعاني من الخراب بشكل شبه كامل، إذ ما زال إنتاج الطاقة الكهربائية (وهو شرط جوهري من شروط قيام صناعة)، في أدنى مستوياته وهو علة العلل في العراق، والعراق من البلدان النادرة التي لا تتوفر على خدمات هاتفية وبريدية مقبولة، وشبكة المواصلات بجميع أصعدتها(البرية والبحرية، والنهرية، والجوية) بحاجة ماسة إلى الإعمار، هذا ناهيك عن الشرط الرئيسي المتمثل بزج القوى العاملة إلى ميادين الإنتاج، وهذه القوى هي اليوم معبئة في ميادين القتال(جيش وشرطة، وميليشيات) أقحمت في الصراعات الداخلية المسلحة، وبأعداد لا تبقي شيئاً للعملية الإصلاح والإعمار، ناهيك عن التصدي للعملية التنموية حتى بإدنى درجاتها الأبتدائية.

ثم هناك شرطاً أساسيا آخر يجمع علماء الاقتصاد أن الفساد السياسي والمالي (Corruption) يعتبر المخرب الأول لأي عملية اقتصادية، وفي دول لا تعاني أساساً ما يعانيه العراق، يعطل الفساد عملية التنمية تقريباً (لا سيما في بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا)، وهذه الدول لا يبلغ فيها الفساد قدر ما هو حاصل في العراق الذي يقبع في المرتبة الأخيرة عالميا، العراق في المرتبة الأخيرة لجهة الافتقار إلى الأمن، وأسوء مدينة لجهة الخدمات الصحية والتعليمية، وخدمات البناء الارتكازي، المرتبة الأولى فقط في حجم الفساد وانعدام النزاهة والشفافية، الفساد المالي والسياسي، فكيف والحالة هذه أن يتمكن بلد ما أن ينجو من قاع متخلف، ويزيح مشكلات قد عشعشت وترسخت فيه لدرجة يصعب التصرف حيالها، وقادة حكوميون يصرحون جهاراً نهاراً أن الفساد وسرقة الدولة والمال العام قد بلغ مستواً يستحيل معه التصدي له ....... وقبل أيام فقط باعت الدولة عقارات حكومية بأسعار هي أشبه بهدايا وبقشيش ..... فما لعمل ....؟

بتقديرنا أن خراباً وتدهوراً بهذه الدرجة من الشمولية هو خارج إمكانيات الإصلاح التقليدية، بإجراءات حكومية اعتيادية، فالأمر ببساطة بحاجة إلى برنامج نهوض شامل، وإلى قوة وطنية قانونية / دستورية قادرة على اقتلاع عناصر الفساد في البلاد، الأمر بحاجة إلى منظومة إجراءات، إلى حزمة قوانين، بحاجة إلى عملية سياسية جبهوية واسعة النطاق تضم أوسع فئات وشرائح الشعب العراقي، بحاجة أجهزة عراقية قادرة على تنفيذ قرارات سلطة مركزية قوية ومحترمة، لابد لها أن تتمتع بدرجة كبيرة من المصداقية والنزاهة، لابد من إتحاد القوى السياسية العراقية الوطنية في عملية سياسية واسعة النطاق، تستعيد سيادة العراق، وتستبعد أدوات وقوى الهيمنة الخارجية، حكومة قادرة على معالجة الخلل والوهن من جذوره، ومن خلال تشخيص دقيق ومن ثم إجراء عملية ضمن إجراءات عامة تشمل المجتمع، تستند إلى قوى العراقيين المعبئة خلف برنامج وطني شامل.

وإصلاح له طابع دعائي إعلاني، يبتعد عن التوغل عميقاً في ظواهر وكوامن الأزمة سوف لن يكتب له أي حظ من النجاح، بل سترتد وبالاً فليس ما ينتظر في هذه الحالة سوى المزيد من الغطس في معوقات النهوض، وإمعان في مآسي الشعب العراقي الناجمة عن الاحتلال ولواحقه، وفقدان الأمل في تصحيح الأمور من خلال عملية سياسية تقليدية.

النوايا الحسنة لوحدها لا تفعل شيئاً .....


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• د. ضرغام الدباغ : الأمين العام للمجلس السياسي العام لثوار العراق
• المقال جزء من مقابلة تلفازية مع إحدى القنوات التلفازية بتاريخ 16/ آذار / 2016


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

العراق، الصراعات المذهبية، الارهاب، حكومة العبادي، حكومة التكنوقراط، التدخل الايراني، التدخل الامريكي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 17-03-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  إكرام الميت دفنه
  بسمارك رائد الوحدة الألمانية
  الدروس السياسية لمعركة الأمم وعبرها، قراءة معاصرة
  أكتشافات الأسد المتأخرة
  العلاقات الأمريكية : الألمانية ــ الأوربية
  مشروع وطني لمستقبل الوطن
  عندما تهدد طهران إسرائيل
  مؤتمر ميونيخ للسلام
  على المكشوف : الموقف .... الآن
  مرحلة دونالد ترامب
  الجنرال هاينز غودريان من رواد فكر سلاح المدرعات
  لنذهب إلى الموت انطوان سانت اكزوبري: الكاتب، الأسطورة
  أصداء الانتخابات الأمريكية
  المهاجرون .. من الرابح ومن الخاسر
  في ذكرى ناجي العلي
  أولويات النظام الحاكم
  التمرد الفاشل : الحدث، دروس وعبر
  الفلوجة والموصل أم العراق بأسره
  الفرس يهددون ...!
  الخطة المعادية الشاملة لحركة التحرر العربية ودور محاور قوى التنفيذ الرئيسية (الولايات المتحدة ــ إسرائيل ــ إيران)
  الفلوجة .... وماذا بعد
  سايكس بيكو (سازانوف) تحالف، معاهدة أم مؤامرة ؟
  من يصالح من ومن يقاتل من ....!
  التظاهرات في بغداد تبلغ ذروة خطيرة
  الخيارات الصعبة في سوريا
  حكومة تكنوقراط، وما زلنا في مرحلة التجارب
  العراق وشعبه باقيان، وسيهزم خصومهما
  بمناسبة أربعينية عبد الرزاق عبد الواحد
  من بوسعه مواجهة هذا الإرهاب
  الإنزال الروسي على الساحل السوري

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
منجي باكير، حمدى شفيق ، د. الشاهد البوشيخي، د - احمد عبدالحميد غراب، د. طارق عبد الحليم، معتز الجعبري، سيدة محمود محمد، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سامح لطف الله، فراس جعفر ابورمان، د- جابر قميحة، ياسين أحمد، رضا الدبّابي، محمد أحمد عزوز، د - المنجي الكعبي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، جاسم الرصيف، د- هاني السباعي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، علي عبد العال، فهمي شراب، رافد العزاوي، أحمد بوادي، جمال عرفة، إيمى الأشقر، محمود فاروق سيد شعبان، حسن الحسن، مراد قميزة، كريم السليتي، ماهر عدنان قنديل، فتحي الزغل، د. ضرغام عبد الله الدباغ، الهيثم زعفان، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - غالب الفريجات، د - مضاوي الرشيد، أحمد النعيمي، سلام الشماع، د. صلاح عودة الله ، عمر غازي، كريم فارق، محمود سلطان، محمد عمر غرس الله، عبد الله الفقير، الهادي المثلوثي، محمد إبراهيم مبروك، محمود صافي ، رشيد السيد أحمد، سامر أبو رمان ، أحمد الحباسي، محرر "بوابتي"، د- محمد رحال، حسن الطرابلسي، شيرين حامد فهمي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. أحمد بشير، رمضان حينوني، د - محمد بنيعيش، أحمد ملحم، فوزي مسعود ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، تونسي، فتحي العابد، د. محمد عمارة ، فاطمة عبد الرءوف، محمد تاج الدين الطيبي، صلاح الحريري، صباح الموسوي ، محمد العيادي، عبد الله زيدان، حميدة الطيلوش، د.ليلى بيومي ، د - أبو يعرب المرزوقي، سعود السبعاني، صفاء العربي، د.محمد فتحي عبد العال، مجدى داود، د. عبد الآله المالكي، د - مصطفى فهمي، د. جعفر شيخ إدريس ، د. عادل محمد عايش الأسطل، خبَّاب بن مروان الحمد، مصطفي زهران، عصام كرم الطوخى ، ابتسام سعد، العادل السمعلي، د. نهى قاطرجي ، أبو سمية، أنس الشابي، بسمة منصور، د. كاظم عبد الحسين عباس ، خالد الجاف ، عدنان المنصر، د. محمد مورو ، طلال قسومي، محمد الطرابلسي، حسن عثمان، أحمد الغريب، عبد الغني مزوز، إياد محمود حسين ، إيمان القدوسي، سلوى المغربي، محمد الياسين، فاطمة حافظ ، أشرف إبراهيم حجاج، كمال حبيب، حسني إبراهيم عبد العظيم، رأفت صلاح الدين، محمد اسعد بيوض التميمي، سفيان عبد الكافي، عبد الرزاق قيراط ، الشهيد سيد قطب، د - محمد عباس المصرى، وائل بنجدو، د. نانسي أبو الفتوح، يحيي البوليني، حاتم الصولي، رافع القارصي، الناصر الرقيق، هناء سلامة، عراق المطيري، د - الضاوي خوالدية، محمد شمام ، د - شاكر الحوكي ، فتحـي قاره بيبـان، عزيز العرباوي، سيد السباعي، مصطفى منيغ، علي الكاش، د- محمود علي عريقات، د - محمد بن موسى الشريف ، د. محمد يحيى ، إسراء أبو رمان، صلاح المختار، د - صالح المازقي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، يزيد بن الحسين، د- هاني ابوالفتوح، منى محروس، د - محمد سعد أبو العزم، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. خالد الطراولي ، محمود طرشوبي، د. أحمد محمد سليمان، سوسن مسعود، عواطف منصور، د. الحسيني إسماعيل ، صفاء العراقي، نادية سعد، سحر الصيدلي، صالح النعامي ، أ.د. مصطفى رجب، المولدي الفرجاني،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة