تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

مقالات منسية: أزمة الحضارة وعجلة الغرب

كاتب المقال منصور فهمي   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


عزيزي الأستاذ ميرزا بك

قرأت بعظيم العناية خطابك في المأدبة التي أقامتها أسرة تقلا باشا ترحيبًا بصاحب جريدة «شيكاغو تريبيون»، واطمأنت نفسي لما نمَّ عنه هذا الخطاب النفيس من نزعة محمودة وفكر ناضج حري بالتقدير، جدير بالتأمل والنظر. لقد أبرزت في أحسن تصوير ما تكنه النفسية العربية بخاصة والشرقية بعامة حيال الحضارة الغربية الراهنة، فهي في نظر العروبة أزمة الإنسان المتمرد على القيم الأصلية؛ ففقد بذلك وحدته الداخلية وتماسكه النفسي، وأصبح يتلمسها من مادية لا تقي من الحيرة والقلق.

وفي الحق، إن جفوة مخيفة موحشة تقوم الآن بين الحضارة الحالية والتوجيهات السماوية، وإن تنافرًا متزايدًا يقع بين مطالب هذه الحضارة المادية ومطالب الروح ونزعاتها السامية المطمئنة، وإن الغرب الذي يتولى مكان القيادة البشرية قد يجر الأمم والشعوب إلى الهاوية ما لم يلتمس هدايته من إيمانه القديم بالقيم الروحية العليا.

لقد بدا ﻟ «جان جاك روسو» أن المدنية تبعد الناس عن سلامة الطبع ونزعة الخير، وتغري أكثر حاجاتها ومظاهرها بشهوات وضيعة، وتنأى بالبشر عن الفطرة القويمة. وقد استهجن روسو في بعض كتاباته ألوانًا من الفنون والمألوفات الاجتماعية رأى فيها تزييفًا للقيم الرفيعة وغضًّا من مكانتها، فلقي ما كتب تأييدًا من المفكرين وتقديرًا، وها هي ذي الأيام تحقق ما ذهب إليه هذا الفيلسوف.

والآن قد يدعو الداعون من قادة الرأي إلى معاودة الإيمان بالتراث المعنوي القديم، سواء أكان مستمدًّا من ثقافات أصيلة أم من رسالات دينية، مما يدل على أن العنصر الفطري الأساسي في النفس البشرية يستلهم مصدرًا واحدًا هو الروح.

على أن هذه الدعوة ما زالت في حاجة إلى غيرة أصحاب الفكر وصدق عونهم على تطهير الأقلام، والترفع بها إلى ما يسمو بمستوى النفوس والأهداف.

وعندي أن تعميم الدعوة إلى مراعاة القيم الروحية في حاجة شديدة إلى تدبير وتدبير من هيئة اليونسكو التي تطمع في أن توجه الإنسانية إلى ثقافة مثالية مقبلة، وعندي كذلك أن المبادئ الروحية لو أنها تغلغلت بجوهرها النقي في الناس، لأفسحت لهم حرية صافية من التفكير والعمل من شأنها أن تغني أصحاب السلطان عن الإسراف في التشريعات والتوجيهات؛ إذ يصبح وازع الوجدان في الأفراد والجماعات أقوى وأفعل من وازع القانون والسلطان.

هذه خواطر أيقظها في نفسي ما قرأت لك — أيها الأخ الكريم — من قول قيِّم وجهته إلى الضيف الأمريكي الصحفي الكبير في الحفلة التي أقمتموها له في هذا الأسبوع، ولم يمنعكم تكريمكم للضيف من أن تذكروا للعروبة كنوز معنوياتها. ولعلكم أردتم أن تحذروا العرب من غلو الاندفاع وراء عجلة الغرب في طوره المادي الرهيب. ولقد حفزني ما قرأته لكم من هذه المعاني إلى أن أوجه إليكم هذه الكلمة؛ حامدًا لوجهتكم، مؤيدًا لنظرتكم، داعيًا إلى المزيد منها بقلمكم الحساس في جريدتكم القيمة الواسعة الانتشار، مستعينين ما استطعتم بأقلام المؤمنين بهذه الروح العالية، والتي نخشى عليها الاندثار من كثرة ما يغشانا من زيف الحضارة الراهنة، وقد بلغ انقيادنا لها مبلغ الخطر، حتى لكدنا ننسى جوهر أنفسنا الشرقية ومعنويات حضارتنا الدينية إسلامية كانت أو مسيحية.

ولا كاشف لهذه المحن التي تحيق بالإنسان إلا أن تستعيد الإنسانية روحها الربانية العليا في الجماعات وفي الأفراد.

فإلى الكفاح في هذا السبيل.

والسلام عليكم ورحمة الله.
-----------
جريدة الأهرام
٦ مارس ١٩٥٠


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تاريخ الأدب العربي، الأدب العربي الحديث، الحركة الوطنية العربية، العمل المقاوم،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-02-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. محمد يحيى ، منجي باكير، إيمان القدوسي، المولدي الفرجاني، وائل بنجدو، سوسن مسعود، صالح النعامي ، محمود فاروق سيد شعبان، رضا الدبّابي، محمد إبراهيم مبروك، أ.د. مصطفى رجب، محمد الطرابلسي، رافع القارصي، د - عادل رضا، د. عبد الآله المالكي، حسن الحسن، د. خالد الطراولي ، فتحي الزغل، عواطف منصور، الهيثم زعفان، د. محمد مورو ، محمد عمر غرس الله، فاطمة عبد الرءوف، معتز الجعبري، سعود السبعاني، سحر الصيدلي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، رافد العزاوي، إيمى الأشقر، د. جعفر شيخ إدريس ، جاسم الرصيف، منى محروس، د- هاني ابوالفتوح، مصطفي زهران، يحيي البوليني، الهادي المثلوثي، الناصر الرقيق، كريم السليتي، أحمد ملحم، محمود سلطان، رحاب اسعد بيوض التميمي، نادية سعد، بسمة منصور، ياسين أحمد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - مصطفى فهمي، صلاح المختار، محرر "بوابتي"، يزيد بن الحسين، عبد الله زيدان، إسراء أبو رمان، د. صلاح عودة الله ، د. أحمد محمد سليمان، مجدى داود، د. الشاهد البوشيخي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أحمد النعيمي، د.محمد فتحي عبد العال، كمال حبيب، فوزي مسعود ، حسن الطرابلسي، أبو سمية، تونسي، د. الحسيني إسماعيل ، علي الكاش، عبد الغني مزوز، سلام الشماع، عبد الله الفقير، د- محمد رحال، سامر أبو رمان ، د - مضاوي الرشيد، سلوى المغربي، د - صالح المازقي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، مصطفى منيغ، أحمد بوادي، حسني إبراهيم عبد العظيم، عبد الرزاق قيراط ، محمد اسعد بيوض التميمي، صفاء العراقي، د - احمد عبدالحميد غراب، الشهيد سيد قطب، جمال عرفة، د - غالب الفريجات، د - محمد عباس المصرى، شيرين حامد فهمي ، العادل السمعلي، أشرف إبراهيم حجاج، علي عبد العال، محمد العيادي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، مراد قميزة، د- هاني السباعي، د- محمود علي عريقات، سيد السباعي، محمود صافي ، صلاح الحريري، د - محمد سعد أبو العزم، عمر غازي، فتحي العابد، صفاء العربي، خبَّاب بن مروان الحمد، سفيان عبد الكافي، أنس الشابي، هناء سلامة، د. نهى قاطرجي ، محمد أحمد عزوز، ابتسام سعد، عزيز العرباوي، د - أبو يعرب المرزوقي، د - محمد بنيعيش، محمد تاج الدين الطيبي، د - محمد بن موسى الشريف ، سيدة محمود محمد، د. محمد عمارة ، د. مصطفى يوسف اللداوي، حميدة الطيلوش، فراس جعفر ابورمان، سامح لطف الله، عصام كرم الطوخى ، د- جابر قميحة، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. أحمد بشير، حمدى شفيق ، عدنان المنصر، فتحـي قاره بيبـان، د - المنجي الكعبي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د.ليلى بيومي ، حسن عثمان، إياد محمود حسين ، د - الضاوي خوالدية، رأفت صلاح الدين، د. طارق عبد الحليم، عراق المطيري، فاطمة حافظ ، رشيد السيد أحمد، د. عادل محمد عايش الأسطل، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، كريم فارق، حاتم الصولي، محمد الياسين، أحمد الغريب، خالد الجاف ، رمضان حينوني، د - شاكر الحوكي ، طلال قسومي، د. نانسي أبو الفتوح، أحمد الحباسي، فهمي شراب، ماهر عدنان قنديل، محمد شمام ، محمود طرشوبي، صباح الموسوي ،
أحدث الردود
جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة