تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

"الفن" في خدمة الاستبداد

كاتب المقال د - عبد الكبير حميدي - المغرب    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


لم يجانب الداعية والمفكر الكويتي الدكتور طارق السويدان الصواب قيد أنملة، حين وصف الأزمة المصرية الراهنة ب"الفاضحة"، فقد فضحت السياسيين والمناضلين، والكتاب والمفكرين، والإعلاميين والفنانين، والعلماء والدعاة، والقانونيين والقضاة، والعسكريين والمدنيين، وكشفت عن معادن الرجال، وعن حقيقة الشعارات والادعاءات ، وأبانت – بجلاء – عمن يؤمن بقيم التسامح والتعايش وقبول الآخر، ممن يتخذ من تلك القيم دثارا يستر به عورته، ويخفي عيوبه، ويجعلها مطية إلى صغير أحلامه، وحقير نزواته، فإذا امتحن في مواقفه وادعاءاته سقط في أول امتحان، وتلك سنة من سنن الله في الخلق، لا تتبدل ولا تتحول، يميز الله بها الخبيث من الطيب من الناس.

إن ما يجري اليوم في أرض الكنانة، وما أعقب انقلاب العسكر على الديموقراطية، لهو من أبشع ما يتخيله إنسان في القتامة والسواد، ومن أفظع ما يخطر على البال من توحش وهمجية وانحطاط، حيث المجازر الوحشية، والاعتقالات الجماعية، والملاحقات العشوائية التي تجاوزت كل أعراف وعادات المجتمع المصري، إلى حد مداهمة المنازل واعتقال النساء. وحيث القصف الإعلامي الشرس والرخيص، الذي لا يتورع عن استعمال شتى أنواع الكذب والتضليل، وتزوير الوقائع وطمس الحقائق، ولا يكف عن تخوين معارضي الانقلاب وأنصار الشرعية من المصريين، وتسفيه أحلامهم، واستباحة أعراضهم، ونسبتهم إلى الإرهاب والتطرف، وإلى الجهل والتخلف، مع أنهم هم ضحايا الإرهاب والإجرام، ومع أنهم مواطنون مصريون، وخصوم سياسيون لا أقل ولا أكثر. وحيث التوظيف البشع للقضاء، في تلفيق التهم، وفبركة الملفات، وتكميم الأفواه، وخنق الحريات، وتصفية الخصوم، ومعاقبة المخالفين. بل وصل الظلم السافر والحقد الأسود، إلى درجة استباحة حرمة المساجد والمنازل، فتم إغلاق المساجد، وهدم المنازل، وعزل الأئمة، وارتكب في حق المصريين من الجرائم في أسابيع، ما لم يرتكبه الصهاينة بالفلسطينيين في سنوات.

ومع قتامة ومأساوية المشهد المصري، فإن من حسناته – ولا تخلو مصيبة من حسنات – أنه فضح أكاذيب العلمانيين والليبراليين واللادينيين عموما، وكشف زيف ادعاءاتهم في الديموقراطية وحقوق الإنسان، وأماط اللثام عن ذمامة وبشاعة الوجه الحقيقي الكالح لهؤلاء، وأظهر أنهم شركاء للعسكر في إرهابهم، يشرعنون لهم جرائمهم ويبررونها لهم، ويوفرون لهم الغطاء السياسي والقانوني والأخلاقي.

على أن من أكثر الفئات انحيازا للعسكر، ولعقا لأحذيتهم، ومنافحة عن جرائمهم، فئة من يسمون أنفسهم ب " الفنانين"، إذ كانوا في طليعة المحرضين على الانقلاب، والمخونين للخصوم، المشوهين لصورتهم، الساخرين منهم، والناعتين لهم بأقبح النعوت وأقذع الصفات، ولا أدل على ذلك مما كان يفعله المسمى باسم يوسف، في برنامجه " البرنامج"، طيلة عام من حكم الرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي، حيث كان لا يدع فرصة لتسفيه الرئيس، والاستهزاء به، والنيل من هيبته، والتصغير من شأنه في أعين الشعب، إلا استغلها بكل خسة ووقاحة وشماتة، راكبا إلى ذلك الصعب والذلول، وهو الذي ابتلع لسانه في عهد العسكر، وتحول إلى أصم أبكم، لا يقدر على شيء، ولا ينبس ببنت شفة.

وأما بعد حصول الانقلاب واستيلاء العسكر على الحكم، فقد سخروا " فنهم" – عفوا عفنهم – للاحتفاء بالانقلاب والتغني بأمجاده، وللسير في جوقة العسكر، والتطبيل والتزمير لهم، مؤدين بذلك دور القيان ضاربات الدفوف في حروب قريش، فغنوا لأيدي العسكر، وقبلوا أرجلهم، ولعقوا أحذيتهم، في أغنية " تسلم الأيادي"، التي تبثها بعض القنوات الصهيونية تضامنا مع شقيقاتها المصرية، فما كان من فناني الشعب إلا أن ردوا عليهم بأغنية " تتشل الأيادي.. إلي بتقتل أولادي".

وبلغت الشماتة والوقاحة أوجها، عندما غنى علي الحجار " إحنا شعب وانتو شعب"، أسقط فيها الجنسية المصرية وحق المواطنة، عن أغلب المصريين من معارضي الانقلاب، وقسم فيها المصريين إلى شعبين: شعب طيب وأصيل، وآخر مدع وخبيث. بل بلغ الحماس والجراءة بالرجل إلى حد تكفير " الشعب المصري المعارض" بالقول " لكم إلهكم .. ولنا إلهنا"، وهكذا يكون الحفاظ على الأمن القومي والوحدة الوطنية، وهكذا يكون توحيد الصفوف وجمع الكلمة، وهكذا يكون " الفن" – عفوا العفن – وإلا فلا.

الغريب في الأمر، أن هؤلاء " الفنانين" الذين انغمسوا في السياسة إلى آذانهم، وسخروا " فنهم" – عفوا عفنهم – في خدمة الفساد والاستبداد، وفي دعم الظلم والظالمين، من أكثر المنادين ب" فصل الدين عن السياسة"، ومن أشد المنكرين على غيرهم " إقحام الدين في السياسة"، ومن حقنا – بل من واجبنا – ههنا أن نسألهم: ولماذا تقحمون أنتم الفن في السياسة؟ ولماذا لا تفصلون الفن عن السياسة؟ أم أن " الفن" أشرف عندكم من الدين وأولى بالاعتبار والاحترام في السياسة؟.

كان أشرف لفناني مصر، إذ لم يستطيعوا الوقوف في صف الحق، ولم تسمح لهم مصالحهم الضيقة بالدفاع عن الشرعية والديموقراطية، أن يلوذوا بالصمت ويكتفوا بإنكار المنكر بالقلب كما فعل كثيرون، لكنهم أبوا إلا أن ينحازوا إلى المنكر، ويقفوا في صف الباطل، رهبة من بطش العسكر ورغبة في أعطياتهم وفتات موائدهم، فانضموا إلى كوكبة المفضوحين، ناسين أن دورهم في الظلم آت لا محالة، فإن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام أخبر أن: ( من أعان ظالما سلطه الله عليه)، وحينها سيقفون على صواب الحكمة القائلة: " أكلت يوم أكل الثور الأبيض".


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الفن، الإستبداد، الثورات العربية، مصر، وسائل الإعلام،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 14-09-2013  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
صباح الموسوي ، محمد العيادي، الناصر الرقيق، د - المنجي الكعبي، منجي باكير، صلاح المختار، رضا الدبّابي، أحمد الحباسي، رمضان حينوني، إيمان القدوسي، بسمة منصور، محمد اسعد بيوض التميمي، نادية سعد، عواطف منصور، أحمد ملحم، إياد محمود حسين ، د- محمد رحال، عزيز العرباوي، سلوى المغربي، د.ليلى بيومي ، رافد العزاوي، حسن الطرابلسي، علي الكاش، المولدي الفرجاني، العادل السمعلي، محمود طرشوبي، د. نهى قاطرجي ، مصطفي زهران، فراس جعفر ابورمان، د- جابر قميحة، أ.د. مصطفى رجب، كريم فارق، د. ضرغام عبد الله الدباغ، حاتم الصولي، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - محمد عباس المصرى، منى محروس، حميدة الطيلوش، فهمي شراب، محمد تاج الدين الطيبي، سلام الشماع، د - أبو يعرب المرزوقي، علي عبد العال، د - محمد بنيعيش، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أحمد النعيمي، الهادي المثلوثي، د. محمد مورو ، د. طارق عبد الحليم، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - شاكر الحوكي ، سحر الصيدلي، عبد الله الفقير، د. خالد الطراولي ، فتحي الزغل، شيرين حامد فهمي ، عبد الغني مزوز، رشيد السيد أحمد، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. عبد الآله المالكي، محمود فاروق سيد شعبان، د.محمد فتحي عبد العال، الهيثم زعفان، خبَّاب بن مروان الحمد، خالد الجاف ، د - مصطفى فهمي، سفيان عبد الكافي، د. محمد عمارة ، فاطمة عبد الرءوف، عدنان المنصر، مجدى داود، د- هاني السباعي، محمد الياسين، د- هاني ابوالفتوح، ياسين أحمد، وائل بنجدو، رافع القارصي، محمد الطرابلسي، د. أحمد محمد سليمان، هناء سلامة، عبد الرزاق قيراط ، فتحي العابد، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. أحمد بشير، جاسم الرصيف، ماهر عدنان قنديل، صفاء العراقي، أشرف إبراهيم حجاج، محمد إبراهيم مبروك، أحمد الغريب، عصام كرم الطوخى ، صلاح الحريري، جمال عرفة، فاطمة حافظ ، سيدة محمود محمد، سيد السباعي، عبد الله زيدان، طلال قسومي، مراد قميزة، محرر "بوابتي"، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد عمر غرس الله، د - صالح المازقي، محمود سلطان، حسن عثمان، د - محمد سعد أبو العزم، سامر أبو رمان ، د - محمد بن موسى الشريف ، د. محمد يحيى ، الشهيد سيد قطب، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، كريم السليتي، يزيد بن الحسين، أبو سمية، د. الشاهد البوشيخي، سعود السبعاني، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - احمد عبدالحميد غراب، إسراء أبو رمان، رحاب اسعد بيوض التميمي، حسن الحسن، د - عادل رضا، أحمد بوادي، د. جعفر شيخ إدريس ، د. الحسيني إسماعيل ، صفاء العربي، إيمى الأشقر، د. نانسي أبو الفتوح، معتز الجعبري، د - غالب الفريجات، ابتسام سعد، محمود صافي ، محمد شمام ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فتحـي قاره بيبـان، عراق المطيري، سامح لطف الله، محمد أحمد عزوز، فوزي مسعود ، رأفت صلاح الدين، تونسي، د. صلاح عودة الله ، صالح النعامي ، د - مضاوي الرشيد، سوسن مسعود، د - الضاوي خوالدية، يحيي البوليني، عمر غازي، أنس الشابي، د- محمود علي عريقات، حمدى شفيق ، د. عادل محمد عايش الأسطل، مصطفى منيغ، كمال حبيب،
أحدث الردود
تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة