تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

في العراق : نسمع جعجعة ولا نرى طحينا

كاتب المقال د. ضرغام الدباغ - برلين    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


منذ عشرة سنوات تقريباً كان يعتقد بعض المتفائلين وفي بعض التفاؤل المؤسس على الوهم سذاجة، وصدق البعض أن الولايات المتحدة ستقيم نظاماً ديمقراطياً يجد فيه جميع العراقيين الملاذ الآمن في حماه وفي ربوعه، العراقيين أي كانت انتماءاتهم الدينية والعرقية، صدقوا أن تأتي الولايات المتحدة بكل صخبها وقرقعتها اتقتل وتدمر، لتقيم في النهاية نظاماً لا علاقة له بالديمقراطية ولا بالديكتاتورية ولا بأي مصطلح من مصطلحات النظم السياسية.

وفي الواقع، أن الولايات المتحدة لم يكن هدفها إزالة نظام وإقامة نظام غيره، بل كان إزالة نظام وإحلال الفوضى محله، بإدخال حليفين لها في ترتيبات العراق وغير العراق هما إيران وإسرائيل، بأتفاق على فقرة واحدة من صلب استراتيجية الحلفاء الثلاثة، هو إنهاء العراق ككيان سياسي مؤثر في قضايا الشرق الأوسط، ومن مفردات تلك الخطة السوداء، إعداد المسرح السياسي العراقي بطريقة لا ولن يتفق أطرافه على شيئ حتى على حاصل ضرب خمسة في خمسة.

وما يطلق عليها عملية سياسية هي مأساة ملهاة، لها نتيجة واحدة فقط، تتمثل بإبقاء العراق محطماً وخارج الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. ومن ذلك تأسيس وسط سياسي يجمع أطراف عملية لا مصلحة مشتركة لديهم في العمل المشترك، بمعنى آخر: كل يسحب الحبل بأتجاه عربته، والنتيجة العلمية المنطقية هي أن العربة المشتركة ستراوح محلها، هذا ما لم تغطس في المزيد من الرمال، ولا ينظر سوى المزيد من التحطيم للعربة المحطمة، بل تزيدها تحطيماً على تحطيم.

ما يطلق عليهم (أطراف العملية السياسية) هم ليسوا بأطراف في الواقع القانوني والسياسي العلمي. وبادئ ذي بدء فإن الفكر السياسي علمياً لا يعتبر كل من تزعم جماعة من الناس قائداً سياسياً، وبالتالي فهي ليست بالعملية السياسية إلا بقدر الكلمات فقط، ذلك أن العملية السياسية ومواقف الكتل وقادة المجموعات متفاوتة للغاية في أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لدرجة يصعب وجود قاسم مشترك بينها، وهي بالتالي عملية لا يراد منها الوصول لنتيجة، فالعملية كما أسلفنا مصممة على أساس أن لا تلتقي هذه المجاميع أبداً، وإذا اتفقت يوماً، فما اتفاقها إلا لإلحاق المزيد من الضرر.

والكتل السياسية تتفاوض عادة، من أجل تشكيل حكومة، أما إذا كان الأمر خطير فتسمى حكومة إنقاذ، بوجود قاسم مشترك بين الكتل كما يتطلب الأمر قدراً معقولاً من التكافؤ في القيمة الاعتبارية، والقدرة على اتخاذ القرارات، ومن أولى شروط التفاوض هو قدرة وصلاحية المفاوض على اتخاذ القرار، بل وأن بروتكولات التفاوض تحتم أن يؤكد المتفاوضون على ما يثبت صلاحيتهم لإدارة المفاوضات والتوقيع على قرارات، وهذا شرط رئيسي لإدارة مفاوضات ناجحة تتوصل إلى نتائج، وهو ما لا يتوفر في كافة أطراف العملية السياسية، ففي نهاية المطاف ستعود الأطراف كل لاستلام التعليمات من الجهة التي ترتبط بها. وجهات الاحتلال الثلاث متفاهمة على أن لا يكون هناك حل جذري، ربما هناك تأجيل لاصطدام محتمل بوضع خطوط حمراء أو سوداء أو بنفسجية، ولكن ليس هناك ضوء أخضر لوضع الأسس في بناء دولة حديثة ديمقراطية، وإلا سيصح المثل في المحتلين: كأنك يا أبو زيد ما غزيت ..!

الامريكان يضعون خطوط حمر لرئيس الوزراء المالكي، وتضع إيران خطوط حمراء للسيد البرزاني، وخطوط أقل اشتداد في اللون للأطراف الأخرى على أساس أنها أطراف ثانوية، والتي تلعب دور المسهل أو المعرقل الشكلي، والأمر في نهاية المطاف لا يتقرر على طاولة مفاوضات أطراف العملية السياسية، بل في الكواليس وبين أطراف الاحتلال، وفي ذلك تتداخل خطوط وشخوط وخطط، الله يعلم أين تبدأ وأين تنتهي، ولكنها قطعاً ليست ضمن حدود العراق، وهكذا يتحول الوطن إلى ملعب مصالح ومندوبين لتلك المصالح، في بلد ينهشه الفساد يموت أبناؤه على حواجز الجيش الحكومي أو الشرطة الميليشاوية، أو عصابات تابعة لأطراف العملية السياسية، ثم يراد لعملية سياسية أن تنجز شيئاً لن يكون.

إذا كانت التنمية ملفاً يرفضه الجميع، والأمن شأن إيراني وإسرائيلي، والهاتف خط أحمر أمريكي، والكهرباء خط أحمر إيراني، وتوفير الماء الصالح لا يهتم به أحد، فماذا تبقى لقادة العملية السياسية ليتفاهموا عليه ..؟

نعم هناك حديث عن عراق جديد، وعن ديمقراطية، وعن أمن ولكننا كالمثل القائل: نسمع جعجعة ولا نرى طحين.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المقالة جزء من مقابلة تلفازية مع إحدى القنوات العربية بتاريخ 21 / نوفمبر / 2012


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

العراق، الإحتلال الأمريكي، المقاومة، المالكي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-11-2012  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  القطب الشمالي في طريقه للنهاية
   السمات المميزة للفكر العربي
  مقاتل الفرس في العراق
  امبراطورية كارل الكبير
  كرونا تجربة للحرب البايولوجية
  معتقلات في التاريخ (7) المعتقل الأمريكي غوانتنامو Guantanamo Bay Detention Camp
  التدمير المزدوج
  معتقل أبو غريب: بعض أعمال الفنان الكولومبي فيرناندو بوتيرو عن التعذيب في سجن أبو غريب
  معتقلات في التاريخ (6) معتقل (سجن) أبو غريب
   لماذا هاجم هتلر الاتحاد السوفيتي: رؤية جديدة
  زمن الانحطاط
  أخطر كتاب لمؤلف أمريكي: (موت الغرب) The Death of the West
  معتقلات في التاريخ (5) معتقل ميدانيك Majdanek
  سفير ألماني حاول منع قيام الحرب
  معتقلات في التاريخ (4) معسكر اعتقال آوشفيتس KZ Auschwitz
  معتقلات في التاريخ (3) بوخنفالد (BUCHENWALD) درس قاس للبشرية
  معتقلات في التاريخ (2) معسكر الاعتقال رافينبروك KZ. Savenbrück
  إنقاذ إيران من ملالي إيران
  أندريه جدانوف
  معتقلات في التاريخ (1) معسكر اعتقال داخاو KZ DACHAU
  معتقلات في التاريخ (مقدمة)
  سلطان ... نم قرير العين فأنت سلطانهم
  ويحدثونك عن الإرهاب
  سويسرا وإيطاليا تتنازعان حول مناطق حدودية جبلية
  إنسحاب قوات أمريكية من ألمانيا
  حوار بين الفكر السياسي والفكر العسكري د. ضرغام الدباغ / اللواء الركن علاء الدين حسين مكي خماس
  الكورونا ... سياسياً
  السياسة الأمريكية بين شخص الرئيس والنظام
  ماذا تبقى من ديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية
  صفات ومزايا الدبلوماسي المعاصر

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
عبد الغني مزوز، سلام الشماع، د - مضاوي الرشيد، نادية سعد، صالح النعامي ، وائل بنجدو، سفيان عبد الكافي، فتحـي قاره بيبـان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سوسن مسعود، د. مصطفى يوسف اللداوي، أحمد الغريب، سحر الصيدلي، يزيد بن الحسين، أبو سمية، الناصر الرقيق، حمدى شفيق ، رافد العزاوي، محرر "بوابتي"، د - محمد بنيعيش، رمضان حينوني، ابتسام سعد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أحمد ملحم، كريم السليتي، الهادي المثلوثي، صباح الموسوي ، د- محمود علي عريقات، د - أبو يعرب المرزوقي، محمود سلطان، د - مصطفى فهمي، ماهر عدنان قنديل، علي عبد العال، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. طارق عبد الحليم، د - الضاوي خوالدية، د. خالد الطراولي ، جمال عرفة، د. الشاهد البوشيخي، محمد تاج الدين الطيبي، أحمد النعيمي، رضا الدبّابي، حاتم الصولي، عزيز العرباوي، معتز الجعبري، فتحي العابد، مصطفي زهران، خبَّاب بن مروان الحمد، طلال قسومي، أ.د. مصطفى رجب، حسن الحسن، إسراء أبو رمان، سامح لطف الله، د - محمد بن موسى الشريف ، منى محروس، صلاح الحريري، العادل السمعلي، حسن عثمان، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد عباس المصرى، د. محمد يحيى ، المولدي الفرجاني، د. الحسيني إسماعيل ، د - المنجي الكعبي، الهيثم زعفان، د.محمد فتحي عبد العال، محمد إبراهيم مبروك، فراس جعفر ابورمان، فتحي الزغل، منجي باكير، د. محمد مورو ، سامر أبو رمان ، محمود فاروق سيد شعبان، أحمد بوادي، حميدة الطيلوش، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد عمر غرس الله، عصام كرم الطوخى ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - شاكر الحوكي ، أحمد الحباسي، سيدة محمود محمد، صلاح المختار، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الله زيدان، عمر غازي، د - احمد عبدالحميد غراب، د. نانسي أبو الفتوح، د. صلاح عودة الله ، محمد العيادي، سلوى المغربي، مراد قميزة، سيد السباعي، د- جابر قميحة، مجدى داود، د- محمد رحال، يحيي البوليني، هناء سلامة، شيرين حامد فهمي ، مصطفى منيغ، د - عادل رضا، عبد الرزاق قيراط ، د - صالح المازقي، رأفت صلاح الدين، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، صفاء العربي، فاطمة عبد الرءوف، محمود طرشوبي، سعود السبعاني، د. عبد الآله المالكي، إياد محمود حسين ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فوزي مسعود ، محمد أحمد عزوز، د. أحمد بشير، أحمد بن عبد المحسن العساف ، حسني إبراهيم عبد العظيم، إيمان القدوسي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د- هاني ابوالفتوح، أنس الشابي، كريم فارق، ياسين أحمد، د- هاني السباعي، محمد اسعد بيوض التميمي، أشرف إبراهيم حجاج، رافع القارصي، رشيد السيد أحمد، خالد الجاف ، عواطف منصور، علي الكاش، إيمى الأشقر، محمد الطرابلسي، فهمي شراب، محمود صافي ، د - غالب الفريجات، محمد شمام ، صفاء العراقي، عبد الله الفقير، د.ليلى بيومي ، عراق المطيري، الشهيد سيد قطب، تونسي، محمد الياسين، حسن الطرابلسي، د. أحمد محمد سليمان، بسمة منصور، رحاب اسعد بيوض التميمي، كمال حبيب، د. نهى قاطرجي ، جاسم الرصيف، عدنان المنصر، د. محمد عمارة ، فاطمة حافظ ،
أحدث الردود
بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة