تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

نحن ودار النصارَى
(من ذكريات المنزلة)

كاتب المقال د- جابر قميحة - مصر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
gkomeha@gmail.com



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


في أقصى شمال الدلتا، تقع مدينة "المنزلة" وهي مسقط رأسي، وفيها نشأت .
وأعود بذاكرتي إلى ما يزيد على السبعين عامًا، كان عدد الناس في هذه المدينة قرابة خمسة آلاف , وكانت تعتمد على التجارة والصيد، والبحارة - أي النقل بالسفن الشراعية، إلى مدينة بورسعيد التي تبعد قرابة خمسة وعشرين ميلاً، أي بطول بحيرة المنزلة . وكانت البلدة ـ التي زاد عدد سكانها حاليًّا إلى نصف مليون نسمة ـ تحمل شوارعها أسماء الأسر، أو أسماء المهنة .. وعلى سبيل المثال كان الشارع الذي نقطن فيه مع الأسرة، والأعمام والأخوال، والأصهار، يسمى "حارة القمايحة" أي آل قميحة؛ لأنهم العنصر الغالب في شغل هذه الحارة بالمساكن، وبجانبنا مباشرة: حارة المنايسة أي آل منيسي، ثم حارة الطيور، أي آل الطير.
وعلى غرب حارتنا مباشرة شارع القفاصين أي الذين يصنعون من جريد النخل أقفاصا للفاكهة والطيور، وكذلك يصنعون القفف والمقاطف من خوص النخل.

وعند التقاء حارتنا بشارع القفاصين كان هناك بيت من طابق واحد ذو مساحة كبيرة يؤدي بابه الرئيسي إلى باحة واسعة بلا سقف ثم عدد من الحجرات بعد ذلك، تملكه وتقطنه أسرة قبطية . كنا جميعًا رجالاً ونساءً وأطفالاً نطلق على هذا البيت "بيت النصارى" , وأهم رجال الأسرة "بسخريون" الذي يعمل مصورًا بآلة التصوير الخشبية الكبيرة التي تقف على قوائم، وله دكان داخل سوق البلدة , "وحنا" وهو يملك "عربة كارو" و "حصانًا" ويتخذ ركنًا من باحة البيت كاسطبل للحصان. والشاب "ميلاد" ويعمل حدادًا.

وأهم من هؤلاء جميعًا عميد الأسرة "إسكندر" الذي قارب السبعين آنذاك.. وكان طيلة النهار يجلس أمام البيت يدخن السجاير (اللف) بكثرة عجيبة حتى اصفر شاربه الأبيض الكث من ناحية منخاريه،كان الرجل ربعة متوسط القامة شحيمًا إلى حد ما.. يبدو في كلامه، وحركاته، وقار وتثاقل، وكان مبتسم الوجه دائمًا. ومن الصبحة الباكرة يجلس أمام البيت ولا يدخله إلا لتناول الطعام، أوقضاء الحاجة. فإذا ما غابت الشمس تحول إلى داخل البيت، ثم يتكرر هذا السيناريو كل يوم دون انقطاع.

واذكر أن والدي ما مرّ به إلا وحياه : صباح الخير، أو مساء الخير، أو إزيك يا خواجه اسكندر.
فيرد التحية، ولكنه كان يخصني بعبارة لم تتغير: "وأنت إزيك يا قميحة يا صغيَّر" وأحببت الرجل لاهتمامه بي، ولابتسامته التي لا تفارق وجهه. وكان هذا هو شعورنا وشعور كل جيراننا نحو الرجل، وفي شهر رمضان من كل عام يختفي "الخواجه اسكندر" تماما ولا يظهر أمام الدار إلا بعد المغرب لساعة أو ساعتين , ثم لا نراه إلا بعد المغرب من كل يوم من أيام رمضان.

وكان السبب أن الرجل يراعي شعور المسلمين، ولا يجاهر بالتدخين الذي لا يستطيع أن ينقطع عنه , فآثر أن يقبع في بيته طيلة "نهارات" رمضان ليتمتع بسجائره اللف.
وقد يقال: أو لم يكن من الممكن أن يجلس مجلسه المعروف أمام البيت فإذا أراد أن يدخن دلف إلى البيت واستتر ثم يعود إلى مجلسه الأول ؟.

ولكن هذا مستحيل؛ لأن هذا يقتضيه أن يدخل ويخرج أربعين أو خمسين مرة ـ على الأقل ـ في اليوم الواحد ، وصحته ـ في مثل سنه - لا تحتمل ذلك.

كانت "أنصاف" هي كبرى بناتهم. وأذكر أنها كانت على علاقة طيبة جدًّا مع نساء الحارة كلها، وكانت كثيرة الزيارة لنا، وفي النصف الثاني من شعبان تقوم أسرتنا بما يسمى "خبيز رمضان" ، أي خَبز كمية كبيرة من الخُبز في فرن البيت يكفي الأسرة ما لا يقل عن شهر ونصف ، ويخرج الخبز من الفرن ويترك مفرودًا قرابة يومين ليجف، حتى لا يتعفن، ثم يحفظ في "سحارة" وهي تشبه صندوقا خشبيًا ضخمًا جدًّا، له باب يسمح بدخول من تقوم "برصِّ الخبز" وكانت أنصاف تحضر ونساء أخريات من الحارة لمساعدة والدتي في خبيز رمضان، وتصر أنصاف على أن تقوم هي بالمهمة الصعبة ، وهي الجلوس أمام الفرن للقيام بعملية إنضاج الخبز الذي تتناوله عجيبنا" من البنات والنساء مبططًا قطعا كل قطعة تصنع رغيفا. باستخدام صاجة الفرن الكبيرة، وتقوم " أنصاف " كذلك بتغذية الفرن بالوقود من حطب، وقش، وسِرْس (قشر الأرز بعد ضربه) ، وهما عملان يحتاجان لقدرة وصبر ومهارة . ولا أنسى ذلك اليوم الحزين في حياة أبي وحياة أسرتنا، وحياة الحارة كلها. لقد مات الخواجه اسكندر، وبكينا عليه جميعًا.
وخرجت أسرتنا ورجال الحارة كلها في جنازته، يودعونه إلى مثواه الأخيرة، وأذكر أن أبي كلما مر بدار النصارى، وقد أغلق بابها الخارجي الكبير.. هز رأسه وقال بصوت متهدج : الملك لله.. الملك لله.

**********

إنها حقائق وخواطر ثابتة على مدار التاريخ، وقد قفزت إلى ذهني، وأنا أكتب عن دار النصارى في المنزلة، وكيف كانوا يعيشون بيننا، كأنهم أسرة منا، وما أحوجنا إلى تذكر هذه الصور الوضيئة في عصرنا الذي كثرت فيه الفتن، واختلت فيه المعايير، وضاعت فيه القيم... في عهد مبارك المخلوع ... عهد ضيعت فيه الأمانة، ووسد الأمر غير أهله. وأعتقد أن أصل الداء، وسر البلاء نجده في قول بشار بن برد:
أعمى يقود بصيرًا لا أبًا لكمو =
قد ضل من كانت العميان تهديهِ


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

مصر، النصارى، الأقباط،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-10-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  أقلام من عالم التشويه والتزوير
  العيدُ.. وغربة الشاعر
  بين الغرور العددي .. والقوة الإيمانية
  توفيق عكاشة أين الدين ؟ وأين المواطنة ؟
  من صور الادعاء وسقوط الرأي
  من أفذاذ أساتذتي في كلية دار العلوم الدكتور محمد ضياء الدين الريس
  إمَّا العدل وإمّا الموت..
  تعلمت من محمودالجميعي
  إمام المسلمين .. أبو الحسن الندْوي
  عندما يوثن الطاغية ذاته
  سطور عن قط مبارك المخلوع
  وفي عمرُ بن الخطاب الأسوة والقدوة
  صحيفة من المستنقع
  كونوا مع الله
  من أصوات العزة والشموخ
  صفحة من التخبط السياسي
  ملامح الدولة المصرية في ظل حكم محمد مرسي أو أحمد شفيق
  رسالة إلى الرئيس الجديد
  برنامج تهريجي وصباح لا خير فيه
  أقيموا شرع الله
  كلمات حق إلى الحكام العرب
  مفيش شيء اسمه إخوان
  العلاج خير من الوقاية
  حكاية البعوضة والنخلة
  عندما يتظرف الداعية ويتعالم
  الإخوان المسلمون والحملة الشيطانية
  مع الخليفة عمر والواقع الذي نعيشه
  الإسلام هو الحل
  خيرت الشاطر رجل عاش للمحن
  كلمات من القلب إلى خيرت الشاطر والذين معه

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محرر "بوابتي"، أنس الشابي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، منجي باكير، د- هاني السباعي، محمود سلطان، د. محمد يحيى ، محمود صافي ، د. الشاهد البوشيخي، حميدة الطيلوش، د- هاني ابوالفتوح، د- محمد رحال، عمر غازي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، علي عبد العال، أحمد ملحم، عبد الرزاق قيراط ، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد شمام ، خبَّاب بن مروان الحمد، أ.د. مصطفى رجب، د - مصطفى فهمي، محمد العيادي، طلال قسومي، الناصر الرقيق، د - مضاوي الرشيد، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فاطمة عبد الرءوف، د - أبو يعرب المرزوقي، د. صلاح عودة الله ، سيدة محمود محمد، د - شاكر الحوكي ، سامح لطف الله، محمد عمر غرس الله، سعود السبعاني، إياد محمود حسين ، د - محمد بن موسى الشريف ، د - محمد عباس المصرى، محمد الطرابلسي، د. محمد عمارة ، وائل بنجدو، فراس جعفر ابورمان، صالح النعامي ، فاطمة حافظ ، رأفت صلاح الدين، علي الكاش، محمد أحمد عزوز، حسن الحسن، فهمي شراب، الهيثم زعفان، مصطفي زهران، تونسي، هناء سلامة، يحيي البوليني، د. طارق عبد الحليم، رمضان حينوني، د. عبد الآله المالكي، شيرين حامد فهمي ، حمدى شفيق ، د- محمود علي عريقات، د.ليلى بيومي ، سوسن مسعود، الشهيد سيد قطب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، إيمى الأشقر، أحمد النعيمي، مصطفى منيغ، أبو سمية، د. خالد الطراولي ، د - المنجي الكعبي، أشرف إبراهيم حجاج، صباح الموسوي ، فتحي الزغل، المولدي الفرجاني، د - صالح المازقي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، إسراء أبو رمان، عصام كرم الطوخى ، رحاب اسعد بيوض التميمي، ياسين أحمد، حسن الطرابلسي، د - احمد عبدالحميد غراب، رافد العزاوي، الهادي المثلوثي، د. نانسي أبو الفتوح، د- جابر قميحة، د.محمد فتحي عبد العال، عدنان المنصر، كريم السليتي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، فوزي مسعود ، صلاح الحريري، كريم فارق، فتحي العابد، سفيان عبد الكافي، د - محمد سعد أبو العزم، العادل السمعلي، بسمة منصور، ابتسام سعد، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. عادل محمد عايش الأسطل، حاتم الصولي، محمد اسعد بيوض التميمي، أحمد الحباسي، سحر الصيدلي، عبد الله زيدان، محمود طرشوبي، عراق المطيري، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - الضاوي خوالدية، د - غالب الفريجات، عبد الله الفقير، فتحـي قاره بيبـان، سلوى المغربي، د. أحمد محمد سليمان، أحمد الغريب، صفاء العراقي، صفاء العربي، محمود فاروق سيد شعبان، محمد الياسين، محمد تاج الدين الطيبي، جمال عرفة، رشيد السيد أحمد، د. أحمد بشير، أحمد بوادي، محمد إبراهيم مبروك، كمال حبيب، جاسم الرصيف، رافع القارصي، معتز الجعبري، مراد قميزة، د. الحسيني إسماعيل ، خالد الجاف ، نادية سعد، عبد الغني مزوز، عزيز العرباوي، إيمان القدوسي، حسن عثمان، د. محمد مورو ، صلاح المختار، د. نهى قاطرجي ، سلام الشماع، رضا الدبّابي، سامر أبو رمان ، يزيد بن الحسين، عواطف منصور، ماهر عدنان قنديل، منى محروس، سيد السباعي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - محمد بنيعيش، د. جعفر شيخ إدريس ، مجدى داود،
أحدث الردود
انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة