تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

هل كان حنبعل "تقدميا" أم "رجعيا" ؟

كاتب المقال كريم السليتي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
karimbenkarim@yahoo.fr



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


تونس، ربما بحكم موقها الجغرافي، كانت منذ آلاف السنين أرضا لصراع بين حضارات و مجتمعات مختلفة و بالتالي بين هويات مختلفة. حنبعل البطل التاريخي للتونسيين آمن بقوة هويته أمام الرومان الذين كانوا أكثر تطورا ماديا من مجتمعه. حنبعل كان يمكن أن يكون "حداثيا" و "تقدميا" فيقبل بغزو الرومان بل و يفتح لهم أرضه التي هي اليوم أرضنا لينشروا ثقافتهم الحداثية و التقدمية في تلك المرحلة من التاريخ. حنبعل هو بطلنا التاريخي الى اليوم لسبب واحد هو أنه كان وطنيا واثقا من قوة هويته، خاض الحروب انهزم و انتصر ثم انهزم لكنه لم يستسلم أبدا بل كان مقتنعا ومتمسكا بتفوق هويته حتى بعد هزيمته النهائية.

أنطلق من هذه الحقيقة التاريخية، لأسقطها على واقع مجتمعنا اليوم و مؤسساته، و الذي يتعرض لصراع بين أقلية ذات هوية متفسخة لكنها ذات سطوة سياسية و اقتصادية و إعلامية، و أغلبية ذات هوية عربية إسلامية لكنها سلبية و لا تأخذ بزمام المبادرة كي لا أقول متفرجة أو مستسلمة.
الهوية القوية الحاضرة في أذهان التونسيين هي السبيل الوحيد لبناء مجتمع قوي، متماسك وحديث.
الهوية هي التي تكمن التونسيين من الوثوق بأنفسهم و الحديث برأس مرفوعة أمام العالم. فمن لا تاريخ له لا مستقبل له و من لا هوية له لا حضارة له. أمّا التفسخ و الانهزام الحضاري فلا ينتج عنه سوى عقد ومُركّبات النقص أمام الآخر، و الإحساس بالتقزم أمام الحضارات الأخرى. كما أنه سبب في نشوء التناقضات في نفسية التونسي.

الخطير في الأمر أن بعض المنهزمين حضاريا، والمدعين للحداثة و التقدم يسيطرون على جزء من النسيج الاقتصادي والسياسي و الإعلامي و حتى الأمني و الإداري في تونس. بعضهم يساهم في وضع البرامج في وزارة المرأة بالتعاون مع الجمعيات ذات نفس التوجه، يحاولون التأثير على المناهج الدراسية لتلاميذنا في المدارس و المعاهد، يسعون من خلال عمليات التوجيه الجامعي إلى إبعاد الطالبات عن عائلاتهن، يضعون برامج إعلامية تمجد ثقافة التفسخ و تصور جوهر الهوية على أنه رجعية و ظلامية و تخلف.

دعاة التغريب و الانحلال الاجتماعي ينظمون أنفسهم في جمعيات، يربطون علاقات مع مؤسسات و منظمات دولية، ينشؤون مواقع أنترنات، ينظمون ملتقيات و اجتماعات، يطبعون قصصا و كتبا و أقراص و يوزعونها على عمال المصانع و تلاميذ المدارس و طلبة الجامعات. يكتبون المقالات، ينشؤون الجرائد و الإذاعات و التلفزات، و لا يتركون أية مساحة إلا و يستغلونها لنشر ثقافة الانهزام الحضاري التي يسمونها حداثة و انفتاح و تقدمية.
يجتهدون و ينفقون من أموالهم و يخصصون أوقاتهم من أجل نشر التفسخ وضرب هوية التونسيين، وهم يعلمون أنهم لن يحصلوا لا على أجر و لا على راحة بال، وأقصى ما يتمنونه إطراء من قناة فرنسية أو جريدة غربية.

أما أغلبية التونسيين فهي تتفرج و لا تحرك ساكنا، اللهم بعض النقد الخافت هنا أو هناك. هل هذه هي ايجابية المجتمع التونسي و قوة إرادته؟ ينتقد القنوات التونسية و يدمن مشاهدتها، ينتقد العري و الانحلال الأخلاقي واللفظي و لا يراقب أبناءه و بناته، ينتقد تصرفات الناس و تكالبهم و انتهازيتهم، ينتقد كثرة انتشار المخدرات و الإجرام، ينتقد العنف اللفظي و المادي، ينتقد الانحلال الأخلاقي و عودة المجتمع لعصور الغرائز الحيوانية. و لكن ماذا فعلنا لننشر الأخلاق السامية و قيم مجتمعنا الحقيقية، ونجعل من ذلك منطلقا لبناء مجتمع متحضر و حديث، كما يحلم به كل إنسان؟ ومتى يقرر كل منا أن نخصص لوطننا و لمجتمعنا بعض الجهد حتى ترسخ معالم هويتنا في أذهاننا و أذهان أبنائنا و في تصرفاتنا.

كريم السليتي
خبير بمكتب استشارات دولي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، النخب الفكرية، النخب المثقة، تغريب، تبعية، حنبعل، الحداثة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 10-10-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  لغة التعليم في تونس - إلى متى الفرنسية عوض الإنقليزية؟
  جرائم فرنسا ووقاحة هولند
  لماذا اغتاظت فرنسا من الاهتمام الأنقلوساكسوني بتونس؟
  خطة جديدة للقضاء على لجان حماية الثورة
  ماذا لو دافع المرزوقي عن عاريات الصدر؟
  إنفصام الشخصية: هل هو وباء ما بعد الثورة
  20مارس: ذكرى التوقيع على تأبيد الإستعمار الفرنسي لتونس
  إلى متى يتواصل توجيه الرأي العام نحو التفاهات؟
  هل بالمناشدات سوف نتخطى الأزمة السياسية في تونس؟
  هل تساهم سيطرة الفضاءات التجارية الكبرى الفرنسية في تفاقم أزمة الغلاء في تونس؟
  هل تونس محظوظة بالإستعمار الفرنسي؟
  الإعلام الفرنسي و دم شكري بلعيد
  عندما يصبح العلمانيون صوفيين
  حقوق الانسان في تونس، في خطر
  القناة الوطنية : إعلام الهواة و إحتراف الكذب
  هل استسلمت الحكومة لأعداء الثورة في الداخل و الخارج؟
  متى يغضب التونسيون لمقدساتهم؟
  لماذا نجح الخليجيون و فشل المغاربة؟
  المنظومة الإجرامية في تونس
  إنسداد الأفاق أمام نادي المنكر
  المرزوقي و تأثيره على الانتخابات الرئاسية المصرية
  موسم الحج إلى قسم الأخبار!!!
  الدستور و اعتماد الشريعة الإسلامية:ضمان للهوية أم تهديد للحداثة
  الداعية الإسلامي الذي أسر قلوب التونسيين و أثار هلع العلمانيين
  قدوم المشائخ إلى تونس: موش حتقدر تغمض عينيك
  إلى متى يسير إعلامنا و صحافتنا إلى الخلف؟
  التونسيون لن يسمحوا بأن تتحول تونس إلى كوبا جديدة
  الاستعمار الفرنسي أم الاستعمار الانقليزي:"عند في الهم ما تختار"
  الاعلام و الاعتصامات: أبطال هنا وغرباء هناك... و انتخابات في الافق
  تونس لن تكون أسوأ من زمن بن علي

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
جمال عرفة، فهمي شراب، د. طارق عبد الحليم، رحاب اسعد بيوض التميمي، د- جابر قميحة، رافد العزاوي، محمد الطرابلسي، رأفت صلاح الدين، صفاء العراقي، علي عبد العال، إيمان القدوسي، د - أبو يعرب المرزوقي، عبد الله الفقير، حسني إبراهيم عبد العظيم، علي الكاش، عزيز العرباوي، الناصر الرقيق، ابتسام سعد، عبد الغني مزوز، د- محمود علي عريقات، يحيي البوليني، د - غالب الفريجات، الشهيد سيد قطب، د - المنجي الكعبي، محمد أحمد عزوز، كمال حبيب، إياد محمود حسين ، د.محمد فتحي عبد العال، د. ضرغام عبد الله الدباغ، هناء سلامة، د.ليلى بيومي ، الهادي المثلوثي، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد شمام ، د. محمد يحيى ، حسن الطرابلسي، كريم فارق، محمد العيادي، يزيد بن الحسين، أبو سمية، د. الحسيني إسماعيل ، صالح النعامي ، د - شاكر الحوكي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، جاسم الرصيف، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عبد الله زيدان، أحمد الغريب، مصطفي زهران، حاتم الصولي، د. أحمد محمد سليمان، أحمد بوادي، حمدى شفيق ، صفاء العربي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د- هاني ابوالفتوح، تونسي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رضا الدبّابي، ياسين أحمد، فاطمة عبد الرءوف، محمود صافي ، سلام الشماع، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - محمد بن موسى الشريف ، سوسن مسعود، معتز الجعبري، رمضان حينوني، سلوى المغربي، منجي باكير، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سعود السبعاني، أ.د. مصطفى رجب، سيدة محمود محمد، د. نهى قاطرجي ، ماهر عدنان قنديل، مراد قميزة، وائل بنجدو، خبَّاب بن مروان الحمد، أشرف إبراهيم حجاج، عواطف منصور، د - مضاوي الرشيد، إسراء أبو رمان، د - مصطفى فهمي، عراق المطيري، عدنان المنصر، منى محروس، فراس جعفر ابورمان، مجدى داود، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. عبد الآله المالكي، رافع القارصي، إيمى الأشقر، فتحي الزغل، محمد عمر غرس الله، محمد اسعد بيوض التميمي، فاطمة حافظ ، صلاح المختار، الهيثم زعفان، د. خالد الطراولي ، فتحـي قاره بيبـان، حميدة الطيلوش، د. صلاح عودة الله ، د. جعفر شيخ إدريس ، كريم السليتي، د. نانسي أبو الفتوح، طلال قسومي، د- محمد رحال، محمد الياسين، صلاح الحريري، العادل السمعلي، بسمة منصور، أنس الشابي، حسن الحسن، فتحي العابد، أحمد النعيمي، د - الضاوي خوالدية، د - محمد سعد أبو العزم، صباح الموسوي ، سحر الصيدلي، حسن عثمان، عمر غازي، رشيد السيد أحمد، محمد تاج الدين الطيبي، أحمد الحباسي، د - احمد عبدالحميد غراب، د - محمد بنيعيش، سامح لطف الله، عبد الرزاق قيراط ، د. محمد مورو ، د - صالح المازقي، محمود سلطان، نادية سعد، شيرين حامد فهمي ، محمد إبراهيم مبروك، سيد السباعي، د- هاني السباعي، سفيان عبد الكافي، أحمد ملحم، د. محمد عمارة ، د. أحمد بشير، محمود طرشوبي، محرر "بوابتي"، محمود فاروق سيد شعبان، مصطفى منيغ، المولدي الفرجاني، د. الشاهد البوشيخي، خالد الجاف ، فوزي مسعود ، عصام كرم الطوخى ، سامر أبو رمان ، د - محمد عباس المصرى،
أحدث الردود
انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة