تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الحداثة و التقدمية و التحرر: قصة المصطلحات المختطفة في تونس

كاتب المقال كريم السليتي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
karimbenkarim@yahoo.fr



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


من البديهي أن يسعى كل انسان في جميع أنحاء العالم أن يكون حداثيا تقدميا و متحررا. و هنا أتحدث بأصل مفهوم الكلمتين لا بما أصبحت تعنيانه في تونس ما بعد الثورة. لأن من طبيعة الانسان حب التطور و التعرف على كل ماهو جديد و حديث، كما أن الانسان يطمح للرفاه من خلال التقدم المادي و العلمي و الاجتماعي. الانسان أيضا يحب أن يكون حرا يملك ارادته و قراره بيده و بالتالي يتحمل مسؤولية اختياراته و عواقبها.

في تونس اليوم، عندما تسأل الناس هل أنت حداثي، فإن كانت لهم خلفية سياسية فسيقولون لك ماذا تقصد؟ حداثي بالمعنى الاصطلاحي للكلمة أم حداثي بالمعنى الانتماء الايديولوجي و الحزبي للكلمة. و بالتالي فقد صارت لهذه المفردات دلالات أخرى قد تكون بعيدة تماما عن حقيقة معاني هذه المصطلحات. و لا أستغرب أن يكون الرد على السؤال: لا أنا لست حداثيا و لكني رجعي أو ظلامي.

طيلة الأشهر الماضية تعرض التونسيون لحملة اعلامية رهيبة في التلفزات الوطنية و الاذاعات و بعض الجرائد من قبل أقلية معروفة بانتقادها الشديد لمكونات هويتنا العربية الاسلامية، بحيث يتم تصوير الانهزام الحضاري على أنه تفتح على الآخر و حداثية و تقدمية، كما يصور الانسلاخ عن ضوابطنا الاجتماعية و في بعض الأحيان حتى الأخلاقية على أنه تحرر و حرية.

هذه الحملة الشعواء جعلت التونسيين و التونسيات تحت ضغط شديد. اذا كنت تتبنى الفكر التغريبي، و ترى أنّ تطورنا المادي و الاجتماعي لا يكون الا بمخالفة عاداتنا و قيمنا فأنت تقدمي و حداثي و متحرر، أما اذا كنت تعيش ضمن الضوابط الاخلاقية و الاجتماعية و تقوم بغربلة السلوكات الغربية لتختار الافضل فأنت رجعي لأنك تربط نفسك بالماضي لا بالمستقبل، أما اذا كنت متمسكا بدينك و تفتخر بانتمائك لتونس العربية المسلمة فأنت ظلامي تعيش في عصر مضى عليه أربعة عشر قرنا. لذلك ترى من لهم مناصب اجتماعية هامة يسارعون في الاعلان بأنهم "تقدميون و حداثيون"، و حتى الحكومة الانتقالية لم تجمع في أعضائها الا "الحداثيون التقدميون" بما فيهم وزير الشؤون الدينية الذي من المنطقي بحكم وظيفته أن يكون من " الرجعيين" أو حتى "الظلاميين".

ان الوقوع في مثل هذا الفخ و الخضوع لضغط الأقلية التي تدعي التحرر و الحداثة يدل على ضعف الثقة في النفس و في موقومات هويتنا و حضارتنا الضاربة في التاريخ. حضارتنا العربية الاسلامية بطبيعتها منفتحة منذ عصورها الاولى على الحضارات الأخرى و لم تكن أبدا منغلقة أو ظلامية كما يصفها "حداثيونا". و لا ينقصها اليوم الا بعض التطور المادي و الاقتصادي و العلمي. أما مجتمعاتنا فهي أكثر حداثة من الغرب لأنها مؤسسة الاسرة مازلت قوية فيها و لأن الضوبط الأخلاقية تعدل جميع الانحرافات. أما فيما يتعلق بالأخلاق والقيم فليس لنا دروس نأخذها من أحد لأننا و الى اليوم نحن من يعطي الدروس.

نحن في تونس نفخر بأننا مجتمع تقدمي و حداثي لأننا نريد جميعا أن نطور من ذواتنا و من تماسك مجتمعنا و أن نبني دولة متطورة ماديا و اقتصاديا. و متحررون لأننا أسياد أنفسنا، ارادتنا بيدنا، نخاطب العالم بكل ندية رغم صغر حجمنا لوثوقنا بهويتنا و حضارتنا. لذلك فنحن لسنا مجبرين على مخلافة أحكام ديننا أو التخلي عن لغتنا و لهجتنا ليقال عنا حداثيون أو متفتحين، كما أننا غير مضطرين إلى ضرب قيم مجتمعنا و الانسلاخ عن أخلاقنا و عاداتنا حتى يقال عنا متحررين.

و عليه فإني أرى أن على أبناء وطننا الذين خدعوا بالمفاهيم البراقة "للحداثة و التقدمية و التحرر" التي يتم تسويقها من بعض التيارات الايديولوجية التي عفى عنها الزمن، أن يراجعوا أنفسهم، و أن يقتنعوا بأن هويتهم هي منبع فخرهم و ثقتهم، و أن الحضارات الأخرى لا تحترم من ينسلخ عن حضارته و هويته و أن الغرب يكونون سعداء عندما تلبس مثلهم لكنهم يكونون أسعد اذا لبست لباسك التقليدي لأنهم يجدون في ذلك اثراء لثقافتهم.

-----------
كريم السليتي
خبير بمكتب استشارات دولي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، النخب الفكرية، النخب المثقة، تغريب، تبعية، الحداثة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 3-10-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  لغة التعليم في تونس - إلى متى الفرنسية عوض الإنقليزية؟
  جرائم فرنسا ووقاحة هولند
  لماذا اغتاظت فرنسا من الاهتمام الأنقلوساكسوني بتونس؟
  خطة جديدة للقضاء على لجان حماية الثورة
  ماذا لو دافع المرزوقي عن عاريات الصدر؟
  إنفصام الشخصية: هل هو وباء ما بعد الثورة
  20مارس: ذكرى التوقيع على تأبيد الإستعمار الفرنسي لتونس
  إلى متى يتواصل توجيه الرأي العام نحو التفاهات؟
  هل بالمناشدات سوف نتخطى الأزمة السياسية في تونس؟
  هل تساهم سيطرة الفضاءات التجارية الكبرى الفرنسية في تفاقم أزمة الغلاء في تونس؟
  هل تونس محظوظة بالإستعمار الفرنسي؟
  الإعلام الفرنسي و دم شكري بلعيد
  عندما يصبح العلمانيون صوفيين
  حقوق الانسان في تونس، في خطر
  القناة الوطنية : إعلام الهواة و إحتراف الكذب
  هل استسلمت الحكومة لأعداء الثورة في الداخل و الخارج؟
  متى يغضب التونسيون لمقدساتهم؟
  لماذا نجح الخليجيون و فشل المغاربة؟
  المنظومة الإجرامية في تونس
  إنسداد الأفاق أمام نادي المنكر
  المرزوقي و تأثيره على الانتخابات الرئاسية المصرية
  موسم الحج إلى قسم الأخبار!!!
  الدستور و اعتماد الشريعة الإسلامية:ضمان للهوية أم تهديد للحداثة
  الداعية الإسلامي الذي أسر قلوب التونسيين و أثار هلع العلمانيين
  قدوم المشائخ إلى تونس: موش حتقدر تغمض عينيك
  إلى متى يسير إعلامنا و صحافتنا إلى الخلف؟
  التونسيون لن يسمحوا بأن تتحول تونس إلى كوبا جديدة
  الاستعمار الفرنسي أم الاستعمار الانقليزي:"عند في الهم ما تختار"
  الاعلام و الاعتصامات: أبطال هنا وغرباء هناك... و انتخابات في الافق
  تونس لن تكون أسوأ من زمن بن علي

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
عمر غازي، د. صلاح عودة الله ، رافع القارصي، صلاح الحريري، الهادي المثلوثي، سامر أبو رمان ، د. محمد مورو ، كريم السليتي، الشهيد سيد قطب، حسن الطرابلسي، مصطفى منيغ، أ.د. مصطفى رجب، سلام الشماع، فاطمة عبد الرءوف، د.ليلى بيومي ، د - أبو يعرب المرزوقي، كريم فارق، د - الضاوي خوالدية، د. أحمد بشير، عراق المطيري، محمود سلطان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، خالد الجاف ، سحر الصيدلي، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد أحمد عزوز، فوزي مسعود ، مراد قميزة، رشيد السيد أحمد، صفاء العربي، حمدى شفيق ، أحمد الحباسي، ابتسام سعد، العادل السمعلي، د - محمد عباس المصرى، عواطف منصور، محمد الطرابلسي، محمد شمام ، عبد الغني مزوز، د. كاظم عبد الحسين عباس ، يحيي البوليني، خبَّاب بن مروان الحمد، شيرين حامد فهمي ، سفيان عبد الكافي، أحمد النعيمي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - مضاوي الرشيد، محمد إبراهيم مبروك، د - غالب الفريجات، طلال قسومي، د- محمود علي عريقات، د - محمد بن موسى الشريف ، حسن عثمان، مصطفي زهران، هناء سلامة، أبو سمية، الناصر الرقيق، المولدي الفرجاني، أحمد الغريب، مجدى داود، محمد عمر غرس الله، فتحـي قاره بيبـان، د - شاكر الحوكي ، عبد الله الفقير، يزيد بن الحسين، حميدة الطيلوش، أحمد ملحم، عزيز العرباوي، منجي باكير، أحمد بوادي، صالح النعامي ، رضا الدبّابي، إياد محمود حسين ، د. طارق عبد الحليم، حسن الحسن، معتز الجعبري، د.محمد فتحي عبد العال، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رمضان حينوني، فاطمة حافظ ، وائل بنجدو، د- هاني السباعي، كمال حبيب، تونسي، عدنان المنصر، د. نهى قاطرجي ، د - صالح المازقي، د. محمد عمارة ، محمد الياسين، عبد الرزاق قيراط ، د. نانسي أبو الفتوح، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمود فاروق سيد شعبان، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - مصطفى فهمي، حاتم الصولي، سامح لطف الله، سيدة محمود محمد، د. أحمد محمد سليمان، فتحي العابد، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود صافي ، د. خالد الطراولي ، فتحي الزغل، عبد الله زيدان، محرر "بوابتي"، فراس جعفر ابورمان، إيمى الأشقر، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد تاج الدين الطيبي، د. الحسيني إسماعيل ، د. عبد الآله المالكي، د- جابر قميحة، رحاب اسعد بيوض التميمي، إسراء أبو رمان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - المنجي الكعبي، إيمان القدوسي، محمد العيادي، بسمة منصور، ماهر عدنان قنديل، حسني إبراهيم عبد العظيم، جاسم الرصيف، صباح الموسوي ، د. الشاهد البوشيخي، رافد العزاوي، د - محمد سعد أبو العزم، فهمي شراب، علي الكاش، سلوى المغربي، د. جعفر شيخ إدريس ، الهيثم زعفان، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، جمال عرفة، سعود السبعاني، د- هاني ابوالفتوح، د - محمد بنيعيش، د- محمد رحال، منى محروس، عصام كرم الطوخى ، صلاح المختار، محمد اسعد بيوض التميمي، أشرف إبراهيم حجاج، صفاء العراقي، ياسين أحمد، رأفت صلاح الدين، سوسن مسعود، سيد السباعي، د. محمد يحيى ، أنس الشابي، محمود طرشوبي، علي عبد العال، نادية سعد،
أحدث الردود
الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

أعيش في مصر جاءت احدي الفتيات المغربيات للعمل في نفس الفندق الذي اعمل به وبدأت باكثير من الاهتمام والإغراء والحركات التي تقوم بها كل امرأه من هذه النو...>>

Assalamo alaykom
Yes, you can buy it at the Shamoun bookshop in Tunis or any other; 4 ex: Maktabat al-kitab in the main street of capital....>>


Assalamo alaykom. I World like to Buy this new tafseer. Is it acai available in in the market? Irgendwie how i can get it? Thanks. Salam...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة