تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

محاربة الفساد ما بين الاستحقاق الثوري وأحكام القانون

كاتب المقال القاضي مراد قميزة - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


أن تقوم ثورة في بلد ما يعني بالضرورة القطع مع نظام قام على الظلم والاستبداد وعدم المساوة وقمع الحريات قطعا نهائيا وبناء نظام جديد يقوم على المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، لكن من الذي سيتولى عملية القطع مع القديم وبناء الجديد ؟

إذا اكتملت الثورة فإن القوى الثوريّة التي قادتها تتولى طبعا هذه المهام باعتبارها ستتولى تسيير شؤون البلاد في الفترة الانتقالية وتطهير أجهزة الدولة من الفساد ورموزه وكشف الحقائق للشعب ومحاسبة من أجرموا في حقه ثم الانتهاء إلى المصالحة تمهيدا للبناء الديمقراطي . فهل يمكن تطبيق هذا على الثورة التونسية ؟

اعتقد أن الثورة التونسية لم تفرز قوى ثورية يعول عليها للقيام بهذه المهام لأنها ببساطة لم تكتمل ولم تحقق أهدافها فهي قامت على رفض الظلم وطلب الحرية والكرامة لكنها كانت من دون قيادة وهو ما سهل الالتفاف عليها من صقور النظام المتنفذين في كل أركان الدولة وذلك بداية من يوم 14 جانفي الذي أسموه تاريخا للثورة والحال انه تاريخ لانتكاسها.

المسرحية انطلقت بالشرعية الدستورية من الفصل 56 إلى الفصل 57 من الدستور وبإقرار اللجان التي أحدثها الرئيس المخلوع وبتهافت أحزاب الفتاة على حكومة الالتفاف للتموقع والجري وراء الكراسي التي قد تؤول رئاستها إلى احدهم أن أدى فروض الطاعة والولاء لحكومة الظل ولعملاء العم سام .

ومن سوء حظ هذا الشعب انه كان مغيبا عن السياسة لربع قرن ويعيش حالة جهل لكل ما يتعلق بالشأن العام فصدق تلك المسرحية عن مضض وضيع وقته في استقراء حسن النوايا وخفي عليه أن القطع مع النظام القديم لا يكون بواسطة أبنائه وأهله وعشيرته وخدمه، وان الشرعية الدستورية لا معنى لها في زمن الثورة .

لكن ما يطمئن حقا أن هذا الشعب الجاهل بالسياسة والشأن العام قرر أن يفهم ولم يضيع وقته كما في السابق في متابعة الرياضة والفن بل انكب على تدارك ما فاته وظل فطنا لكل محاولات الارتداد مما عقد الأمر على الحكومة واجبرها على التنحي وهنا كان الخطأ الثاني وهو قبول حكومة أخرى معينة في ظرف سويعات دون أن نعرف من عينها ولماذا وأي توافق أدى إلى هذا الخيار وها نحن إلى اليوم نعاني ضريبة ذلك القبول فنرى القديم يتجدد بكل وقاحة ويتموقع في اجهزة الدولة وفي احزاب مفرخة من التجمع الذي قدموا قربانا لحله امام المحكمة في مسرحية هزلية رديئة الاخراج، وكأن حل التجمع سينهي التجمع والحال أن التجمع هو من صمم على حل نفسه ليعمل في أريحية اكبر من أعين المراقبين وها هو اليوم يلملم شتاته ليعود بقوة على نظر هذه الحكومة وبمباركة منها.

اليوم عاد كل رموز الفساد إلى الصدارة واحتلوا المواقع الحساسة ومراكز القرار في كل الإدارات تقريبا من امن وقضاء ووزارات وولايات وإدارات عمومية وغيرها ولم تفعل الحكومة سوى عملية لتبادل المواقع أو تعويض بعض المسؤولين بأبناء النظام من الصف الثاني الذين لم تسلط عليهم الأضواء، لكن وكالعادة استطاع الشعب ان يعي خطورة الوضع ولملم نفسه ليخرج هذه المرة مطالبا بإسقاط النظام وبمحاسبة رموز الفساد وإقصائهم من الحياة السياسية ومن مراكز القرار.

محاسبة رموز الفساد وكشف الحقائق هي من مشمولات الحكومة الثورية التي تصير كل دواليب الدولة مفتوحة أمامها وباستطاعتها جمع وسائل الإثبات من أرشيف الوزارات والإدارات ومن إجراء التحقيقات اللازمة مع كل المشتبه بهم لكن حكومة السبسي ليست حكومة ثورية وهي امتداد للنظام القديم في شكل جديد لذلك نسمعه يقول بلامبالات انه لا وجود لقناصة ومن يعثر على قناص فليقدمه له، وبمعنى آخر يقول للشعب ليس لكم اي استحقاق ثوري وان ادعيتم شيئا فعليكم إثباته أي انه يطلب منا المستحيل، وكأن الاثبات ملقى على قارعة الطريق وسهل تقديمه . وعلى خطاب السبسي تنسج العديد من المؤسسات مثل الأمن الذي يرفض تقديم أي إيضاحات للجنة التقصي بخصوص تجاوزات الأحداث الأخيرة ويرفض الاستجابة لطلب القضاء بتقديم سجلات الأعوان المناوبين في فترة الأحداث ويصر على أن أعوانه أبرياء وعلى من يدعي خلاف ذلك إثباته، ثم القضاء الذي ترفض الوزارة تطهيره وفتح الملفات التي لديها لمحاسبة المشبوهين من القضاة تؤيدها في ذلك نقابة القضاة انطلاقا مما تسميه المحاسبة الفردية خارج اسلوب القوائم مع توفير الضمانات وذلك طبيعي لانها في الواقع بعثت بمخطط من الادارة لحماية قضاة الوزارة اولا ثم اولياء النظام من قضاة المحاكم وخاصة المسؤولين الذين كانوا اداة لضرب القضاة المستقلين وحصنا متقدما للادارة ضد كل محاولات التمرد على تعليماتها.

الخلاصة أن هؤلاء يحاولون الإيهام بأن كل محاولة لكشف الحقيقة دون تقديم إثبات تدخل تحت طائلة التشهير والثلب ويعاقب عليها قانونا وذلك ترهيبا لأصحاب الحقوق وللمناضلين الصادقين وترغيبا في الانسجام مع ما يسمونه أحكام القانون أو بالأحرى أحكام حماية الفساد بالقانون والتستر على ملفات الفساد.

اليوم أقول لهؤلاء لقد انقلبتم على ثورة الشعب وانتم امتداد للنظام والثورة لازالت مستمرة حتى تقتلعكم من جذوركم وتخرج قوى ثورية تحقق للشعب آماله وبالتالي فإن فضح الفساد وأصحابه ونشر قائمات في الفاسدين والمشبوهين يدخل تحت طائلة العمل الثوري الذي لا تدخرون جهدا لقمعه وان كنتم تدعون النزاهة والوطنية فابدؤوا بفتح ملفات الفساد بلجان مستقلة تماما وتحظى بالثقة تتولى التحقيق والبحث بكل حرية في الوزارات والمؤسسات وكل الإدارات المعنية وليس بلجان تقبع في المكاتب تتلقى الشكايات ولا تفعل شيئا للتحري فيها بجدية ولن نرضى بأنصاف الحلول فتغيير مسؤول بمسؤول من طينته لا يحل المشكلة ولا ينفض الغبار عما حصل في سنين الظلم والقهر.

وأخيرا أقول لكم أن المتفق عليه دوليا أن عبئ الإثبات عليكم وليس على الشعب في وقت الثورات فيدكم طائلة وبمكاتبكم وأرشيفكم تسكن الحقيقة وليس على المواطن الا ان يشير الى موطن الفساد والقائمين عليه لتتولوا انتم اكمال الباقي والا فإنكم تتسترون على الفساد ويحق للشعب كنسكم وإكمال ثورته


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة المضادة، الثورة التونسية، الفساد القضائي، البادي قائد السبسي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-08-2011  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أحمد بن عبد المحسن العساف ، د- جابر قميحة، د - مضاوي الرشيد، خبَّاب بن مروان الحمد، د - مصطفى فهمي، رشيد السيد أحمد، هناء سلامة، إيمى الأشقر، سلام الشماع، رافع القارصي، رحاب اسعد بيوض التميمي، عراق المطيري، محمد تاج الدين الطيبي، سعود السبعاني، محمود طرشوبي، محمد شمام ، صلاح الحريري، سامح لطف الله، محمد الطرابلسي، د. الشاهد البوشيخي، محمد إبراهيم مبروك، نادية سعد، د- محمود علي عريقات، أشرف إبراهيم حجاج، د. أحمد محمد سليمان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. الحسيني إسماعيل ، جاسم الرصيف، سفيان عبد الكافي، أحمد ملحم، د - محمد بنيعيش، د- محمد رحال، فتحـي قاره بيبـان، د - شاكر الحوكي ، أ.د. مصطفى رجب، د - المنجي الكعبي، إياد محمود حسين ، د - محمد بن موسى الشريف ، خالد الجاف ، مصطفي زهران، سامر أبو رمان ، رضا الدبّابي، بسمة منصور، د. نهى قاطرجي ، شيرين حامد فهمي ، الهيثم زعفان، د. خالد الطراولي ، عزيز العرباوي، عصام كرم الطوخى ، عبد الرزاق قيراط ، أبو سمية، د - صالح المازقي، د. طارق عبد الحليم، العادل السمعلي، سوسن مسعود، د - محمد سعد أبو العزم، فراس جعفر ابورمان، د. نانسي أبو الفتوح، محمد عمر غرس الله، د - الضاوي خوالدية، حسن الحسن، محمود صافي ، صفاء العراقي، رافد العزاوي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، علي عبد العال، عواطف منصور، د. صلاح عودة الله ، محمد العيادي، حمدى شفيق ، حسن عثمان، أحمد الحباسي، صفاء العربي، عدنان المنصر، د - أبو يعرب المرزوقي، د. أحمد بشير، معتز الجعبري، سيدة محمود محمد، صالح النعامي ، د. جعفر شيخ إدريس ، فتحي العابد، صباح الموسوي ، منى محروس، حسني إبراهيم عبد العظيم، ابتسام سعد، عبد الغني مزوز، فاطمة عبد الرءوف، محمد أحمد عزوز، حميدة الطيلوش، سحر الصيدلي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حسن الطرابلسي، عبد الله زيدان، كريم فارق، فاطمة حافظ ، أحمد النعيمي، رأفت صلاح الدين، محمد الياسين، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - غالب الفريجات، صلاح المختار، الهادي المثلوثي، أنس الشابي، د- هاني السباعي، د- هاني ابوالفتوح، د. مصطفى يوسف اللداوي، علي الكاش، رمضان حينوني، كريم السليتي، عبد الله الفقير، فوزي مسعود ، يحيي البوليني، محرر "بوابتي"، مجدى داود، أحمد الغريب، عمر غازي، الشهيد سيد قطب، حاتم الصولي، أحمد بوادي، كمال حبيب، محمود سلطان، إسراء أبو رمان، ياسين أحمد، مصطفى منيغ، سلوى المغربي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، تونسي، د.ليلى بيومي ، وائل بنجدو، د.محمد فتحي عبد العال، د - احمد عبدالحميد غراب، سيد السباعي، فتحي الزغل، جمال عرفة، د. محمد عمارة ، يزيد بن الحسين، د. ضرغام عبد الله الدباغ، طلال قسومي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، فهمي شراب، مراد قميزة، إيمان القدوسي، د. عبد الآله المالكي، د. محمد يحيى ، د. محمد مورو ، الناصر الرقيق، محمد اسعد بيوض التميمي، محمود فاروق سيد شعبان، منجي باكير، د. عادل محمد عايش الأسطل، ماهر عدنان قنديل، المولدي الفرجاني، د - محمد عباس المصرى،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة