تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الدولة الدينية والدولة المدنية

كاتب المقال د. جعفر شيخ إدريس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


طبيعة الدولة الدينية تعتمد على نوع الدين التي هي منسوبة إليه، وعلى هذا تعتمد الإجابة عن كونها يمكن أن تكون إسلامية أو غير إسلامية. وأنواع الدين الذي يمكن أن تُنْسَب إليه الدولة هي أربعة على الأقل.

الدين بالمعنى العربي الواسع:
الدين بهـذا المعنى هو كل ما يكون عادة مستمرة، وبهذا المعنى جاء قول الشاعر عن نفسه وعن ناقته:
تقولُ إذا دَرأْتُ لها وَضِيني:
أهذا دينهُ أبداً وديني؟
أكُلَّ الدَّهرِ حلٌّ وارتحالٌ
أما يُبقِي عليَّ ولا يقيني؟
وكما تكون العادة المستمرة لفرد - كما في هذا المثال - فإنها تكون أيضاً لجماعة. قال - تعالى - عن نبي الله يوسف - عليه السلام -: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْـمَلِكِ} [يوسف: 76]. ودين الملك هنا: هو نظامه والقوانين التي تسير عليها دولته، والتي لم يكن ليوسف أن يأخذ أخاه بمقتضاها. ولكن بما أن كلَّ دولة بل كلَّ جماعة متعايشة لا بد لها من قوانين أو تقاليد أو أعراف تسير عليها، فكل دولة هي بالضرورة دينية بهذا المعنى العربي الواسع للكلمة. فالدولة الديمقراطية دينية، والدكتاتورية دينية، وكذلك الشيوعية أو العَلمانية، وهكذا.

المفهوم العلماني للدين:
الدين بهذا المعنى هو أمر محصور في الشؤون الخاصة ولا سيما العبادات، وعليه فلا يمكن أن تكون الدولة دينية بهذا المعنى. لكن بعض العَلمانيين في البلاد العربية يفترضون أن هذا المفهوم العَلماني للدين هو المفهوم الوحيد له. ولذلك ترى بعضَهم يعترض على مادة الدستور المصري التي تقرر بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام بحجة أن الدولة ليس لها دين لأن الدين إنما يكون للأفراد.

المعنى الثيوقراطي للدولة الدينية:
تكون الدولة دينية بهذا المعنى الغربي إذا كان حاكمها أو حكامها يزعمون أنهم يصدرون في كل ما يقولون ويفعلون عن وحي من الله - تعالى - إليهم مباشرة. ولذلك لا يمكن مناقشتهم أو محاسبتهم. والذي يدَّعي مثل هذه الدعوى لا يُشتَرَط فيه أن يكون رَجُلَ دين بالمعنى المعروف في الغرب؛ فقد ثبت عن الرئيس بوش - مثلاً - أنه كان يدَّعي مثل هذه الدعاوى. وبالرغم من أنه كان يتصرف على أساس هذه الدعاوى في حدود السلطات التي يتيحها له الدستور الأمريكي؛ إلا أن بعض المفكرين الغربيين وصفوا حكمه بالثيوقراطي وأطلقوا عليه اسم الثيوقراطية الأمريكية.

هذا هو المعنى الأساس للحكم الثيوقراطي؛ لكن بعض الناس في بلادنا صاروا يعرِّفونه بأنه حكم رجال الدين ويجعلون رجل الدين هو الذي تخرَّج في مؤسسات تعليمية دينية، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الشخص يمكن أن يدرس مثل هذه الدراسة ثم يكون مع هذا رجلاً عَلمانياً، ولأن آخرَ يمكن أن يتخرج في جامعات غير دينية لكنه يكون مع ذلك مؤمناً بالثيوقرطية كما كان بوش.

وإذا كان بعض الناس قد عرفوا الدولة الدينية بنوع الدراسة التي يتلقاها الحاكم، فقد صار الساسة الغربيون الآن يوسعون معناها لتشمل كل دولة تنتسب إلى الدين حتى لو لم تكن ثيوقراطية.

المفهوم الإسلامي للدولة الدينية.
الإسلام دين بالمعنى العربي العام وبالمعنى الشائع الآن. وفيه أمر بالحكم بما أنزل الله - تعالى - في كل شؤون الحياة؛ بما في ذلك في الأمور المتعلقة بالدولة من نظام حكم وقضاء وسياسات وغير ذلك. فالدولة الإسلامية هي إذن بالضرورة دولة دينية؛ لكنها ليست دولة ثيوقراطية لأن الحاكم فيها لا يحكم فيها بأوامر أو أخبار يتلقَّاها من الله - تعالى - مباشرة؛ وإنما يحكم بنصوص مكتوبة يستوي هو وغيره في إمكان معرفتها؛ ولذلك يمكن أن يحاسَب ويمكن للناس أن يختلفوا معه. وهو في هذا يشبه الحاكم في الدولة التي تسمى بالمدنية؛ لأن هذا الأخير إنما يحكم في إطار قوانين يستوي هو وغيره في معرفتها، وفي إطار صلاحيات حُدِّدَت له.

ربما كان هذا الذي ذكرناه هو السبب في قول بعض الإسلاميين في أيامنا هذه بأن الدولة الإسلامية ليست دولة دينية بمعنى؛ وإنما هي دولة مدنية. لكن الكلام بهذا الإطلاق ليس صحيحاً؛ بل ربما كان فيه عدم بيان لمعنى الدولة المسلمة. لذلك كان من الأحسن أن يوضَّح هذا الأمر حتى لا يكون مثار خلاف لا داعي له بين الإسلاميين؛ يجب أن يوضَّح بأن الدولة الإسلامية ليست دينية بالمعنى الثيوقراطي للدولة الدينية، بل ربما كان من الأحسن أن تُسـتعمَل هذه الكلمـة الغربية التـي لا مقـابل لهـا في ما أعلم في اللغة العربية. وربما كان من الأحسن أيضاً أن يبيِّن معنى كونها دولة مدنية.

إن إطلاق القول بأن الدولة الإسلامية ليست دينية جعل بعض الإسلاميين المصريين يتناقضون؛ لأنهم في الوقت الذي يؤكدون هذا يستمسكون استمساكاً شديداً بالمادة التي تقول: إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الدولة الدينية، الدولة المدنية، العلمانية، الحداثة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 9-07-2011   http://www.albayan.co.uk

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
تونسي، مجدى داود، محمد عمر غرس الله، حسن عثمان، محمد شمام ، طلال قسومي، د - عادل رضا، سامر أبو رمان ، د - غالب الفريجات، د. خالد الطراولي ، د. أحمد بشير، منى محروس، د - الضاوي خوالدية، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، بسمة منصور، د - المنجي الكعبي، د. عادل محمد عايش الأسطل، رافع القارصي، علي عبد العال، علي الكاش، فاطمة حافظ ، أشرف إبراهيم حجاج، حمدى شفيق ، د. محمد يحيى ، د - محمد عباس المصرى، معتز الجعبري، سلوى المغربي، كمال حبيب، رمضان حينوني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د. نانسي أبو الفتوح، يحيي البوليني، حميدة الطيلوش، حاتم الصولي، د.ليلى بيومي ، فتحـي قاره بيبـان، عبد الغني مزوز، رشيد السيد أحمد، حسن الحسن، د - محمد بنيعيش، صالح النعامي ، صباح الموسوي ، د - صالح المازقي، د - محمد سعد أبو العزم، محمود فاروق سيد شعبان، إسراء أبو رمان، محمد اسعد بيوض التميمي، د. مصطفى يوسف اللداوي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سيد السباعي، إيمى الأشقر، محمود طرشوبي، كريم السليتي، سحر الصيدلي، عبد الله الفقير، د- هاني السباعي، د. محمد مورو ، الشهيد سيد قطب، محمود صافي ، سليمان أحمد أبو ستة، جمال عرفة، د . قذلة بنت محمد القحطاني، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود سلطان، ماهر عدنان قنديل، مصطفى منيغ، د- جابر قميحة، أنس الشابي، سوسن مسعود، فوزي مسعود ، د - مضاوي الرشيد، سيدة محمود محمد، د- محمد رحال، عبد الرزاق قيراط ، حسن الطرابلسي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، مصطفي زهران، سعود السبعاني، د - مصطفى فهمي، عبد الله زيدان، د.محمد فتحي عبد العال، أبو سمية، كريم فارق، د. عبد الآله المالكي، رأفت صلاح الدين، فتحي العابد، ابتسام سعد، أحمد بوادي، مراد قميزة، د - أبو يعرب المرزوقي، العادل السمعلي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، إياد محمود حسين ، محمد إبراهيم مبروك، د - محمد بن موسى الشريف ، د. الشاهد البوشيخي، خالد الجاف ، عزيز العرباوي، محمد العيادي، سفيان عبد الكافي، فاطمة عبد الرءوف، رضا الدبّابي، يزيد بن الحسين، فتحي الزغل، د. الحسيني إسماعيل ، فراس جعفر ابورمان، ضحى عبد الرحمن، عراق المطيري، الهادي المثلوثي، د. صلاح عودة الله ، أحمد ملحم، أحمد النعيمي، هناء سلامة، إيمان القدوسي، عمر غازي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د- محمود علي عريقات، سلام الشماع، د- هاني ابوالفتوح، ياسين أحمد، جاسم الرصيف، المولدي الفرجاني، أحمد الحباسي، محمد أحمد عزوز، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. أحمد محمد سليمان، محمد الطرابلسي، فهمي شراب، شيرين حامد فهمي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محرر "بوابتي"، رحاب اسعد بيوض التميمي، صفاء العربي، وائل بنجدو، محمد تاج الدين الطيبي، رافد العزاوي، سامح لطف الله، منجي باكير، أ.د. مصطفى رجب، د. محمد عمارة ، د. طارق عبد الحليم، عواطف منصور، محمد الياسين، د - شاكر الحوكي ، د. جعفر شيخ إدريس ، د - احمد عبدالحميد غراب، عدنان المنصر، د. نهى قاطرجي ، الناصر الرقيق، نادية سعد، عصام كرم الطوخى ، الهيثم زعفان، أحمد الغريب، صفاء العراقي، صلاح المختار، صلاح الحريري،
أحدث الردود
انا اماراتي وتزوجت مغربيه على زوجتي الاولى مع ان الاولى ماقصرت فيني لكن ماعرف ليه خذتها اعترف اني كنت راعي بارتيات وهي كانت ربيعتي وربيعه الكل معرف كي...>>

انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة