تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

أزمة الذات المسلمة وضياع الإحساس بالسنن الكونية

كاتب المقال أ.د عبد الحليم عويس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


بعيداً عن ذلك الجدل العقيم حول دور "الإنسان الفرد" و"الإنسان المجتمع" في العملية الحضارية، فإننا نؤمن إيماناً لا يخالجه شك بأنَّ "الإنسان الفرد" هو الأصل الأصيل لكل عملية صناعةِ حضارة في التاريخ، ثم يأتي بعده "الإنسان المجتمع".

وبالتالي فإن ما يصيب الإنسان المسلم من أمراض حضارية تؤثر بطريقة جوهرية على المستوى الذي تستطيع به هذه الحضارة أن تستجيب للتحدّيات البيئية أو البشرية.

إن الإنسان -بكل المقاييس- هو أساس العملية الحضارية، وإنّ حضارتنا الإسلامية ليست نشازاً في هذا المجال، بل لعلها من أكثر الحضارات اهتماماً بدور الإنسان في التاريخ.

ولهذا فهي -ابتداء- لا تعفيه من أي مسؤولية تحت أي شعار، كما أنها لا تجعل المسؤولية الجماعية بديلاً عن المسؤولية الفردية، بل ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾(المدثر:38)، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾(مريم:93-95).
وهذا الإنسان كما هو معروف كائن معقد، مزود من خلال تركبيه العضوي والنفسي والروحي المتكامل بكل الإمكانيات والطاقات التي تؤهله للسير في طريق التاريخ الحضاري صعوداً وهبوطاً: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾(التين:4-5)، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾(الإسراء:70).

الذات الإنسانية



ولأن هذا الإنسان في النظرة الإسلامية كائن متكامل في بنائه، وهو ذو طاقات متعددة لكنها متشابكة ومتكاملة، وهو كذلك لا يتحرك إلا بدوافع متعددة توازي طاقاته كلها... لأنه كذلك، فنحن نقترح بأن نطلق عليه اسم "الذات" أو "الذات الإنسانية". هذه "الذات" هي هذا المضمون الكلي أو الكائن المتشابك الذي يضم في أحشائه وبدون تشطير "النفس" و"الجسم" و"العقل" و"الروح".

إن هذه "الذات" هي التي أطلق سراحها في التاريخ بعد أن هبطت من الجنة، وهي بكيانها ذلك قد نيط بها أن تصنع "حضارة" متكاملة مثل تكاملها، متوازنة مثل توازنها، منسجمة مثل انسجامها. ذلك لأنها تصنع حضارة لذاتها.. حضارة إنسانية، وبالتالي فلابد أن تُشبع عن طريق هذه الحضارة كلَّ طاقاتها.


وفي التاريخ تتابع الأنبياء وكلهم يقدم الحضارة الإنسانية الملائمة المنسجمة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، مركّزين على الجوانب التي اهتز رصيدها حتى يعود التوازن والانسجام بين كل الجوانب.
وعندما جاء الإسلام سار على الدرب، فكان هو أيضاً ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾(الروم:30). ونجح هذا الدين العظيم في مناهجه التاريخية، فقدم إنساناً متكاملاً، وقدّم من خلاله حضارة متكاملة أبدعت في شتى الجوانب، روحية أو عقلية أو مادية، والأهم أنه قدم هذه الحضارة المتعددة الجوانب على نسق "توحيدي" يفرض نزعته "التوحيدية" على كل صورة إبداعية من إبداعات هذه الحضارة؛ فنية أو علمية أو روحية.

إن الأصول الروحية والمادية التي قامت عليها هذا الحضارة ظلت ماثلة في كيان المجتمع الإسلامي في إبان عصره الأول والوسيط، ولا تزال ماثلة في عصره الحديث بدرجة متفاوتة، لكنها موجودة وكاملة، على مستوى التنظير على الأقل. وأيضاً -وبنفس المستوى- ظل الإنسان المسلم هو المترجم الحقيقي -في مجال التنظير والتطبيق- لمنهج هذه الحضارة، وظل العمود الفقري الذي تعتمد عليه الحضارة الإسلامية وهي تقوم بدورها في التاريخ.

إن هذا الإنسان المسلم أو بالتعبير الذي أحسن استخدامَه الشاعر المفكر المسلم محمد إقبال: "الذات التي حملت أمانة تجسيد الحضارة الإسلامية في كل جزيئات فكره وسلوكه"، كان حقاً خليفة الله في الأرض، يحمل إلى البشرية الأمانة التي حملها الإنسان. وكان هذا الإنسان النموذج الحضاري الذي تتحقق فيه الشروط الكاملة للقيام بالدور الحضاري، وهي في رأي محمد إقبال ثمانية شروط:
1- الإرشاد على خطى قيادة ملهَمة (النبوة).
2- وعلى اعتبار روحي (التوحيد).
3- وعلى دستور (القرآن).
4- وعلى مركز محسوس: (الحرم).
5- وعلى هدف واضح تقرّه الجماعة.
6- وتكون له السيادة على قوى الطبيعة.
7- وأن تطور ذاته في اتجاه الذات الكلية الجامعة.
8- وأن يحتفظ للأمومة بحقها (ولعله يقصد دور المرأة عموماً وذكر الأمومة؛ لأنها أشرف أدوار المرأة).
ومن الضروري لهذه الذات أن تتصادم بالعوامل الخارجية (التحدي) حتى تظهر قوتها وحيويتها وعبقريتها وقدرتها على المقاومة والنمو. وفي قصيدته "دور الإنسان في التاريخ" يبـرز "إقبال" هذا الدور الخطير عبر محاورته "الداخلية" التي يحاور فيها الإنسان خالقه وخالق الكون:
أنت خلقت الليل... وأنا صنعت المصباح،
أنت خلقت الصلصال... وأنا صنعت الكوب،
أنت خلقت الصحاري والجبال والغابات...
وأنا صنعت البساتين والحدائق والأرائك...
أنا الذي صنعت المرآة من الحجر...
وأنا الذي حولت السمّ إلى شراب نافع...
هذه هي "الذات المسلمة" التي صنعت الحضارة الإسلامية والتي أدت دور خليفة الله في الأرض.

الهبوط التاريخي


حين أصبح الإسلام "جباية" لا "هداية" سقطت إرادة المسلم الاجتماعية، وحين استأثر "بيت المال" أسرة أو جماعة، سقطت إرادة المسلم الاقتصادية؛ وتنازع المسلمون فيما بينهم، فسقطت عوامل كثيرة من عوامل شعورهم الواحد... وقبل كل ذلك، كانت الذات المسلمة تفقد أجزاء من ذاتها، فتتفاعل مع عوامل الهدم الخارجية.. وكانت أزمتها الكبرى في داخلها فلم تستطع مقاومة "التحدّيات الجديدة"...
وبين الحين والحين كانت تلك الذات المسلمة تثور على عوامل ضعفها، لتعود نقية فتية كما حدث أيام عمر بن عبد العزيز، وأيام المرابطين والموحدين والسلاجقة، وفي بعض دول الهند الإسلامية، وأيام صلاح الدين، وفي أيام المماليك، ومع كثير من خلفاء آل عثمان، وفي العصر الحديث...

إغفال دور السنة


وكان من أخطر ما وقع من تشقيقٍ وتمزيقٍ في حضارتنا الإسلامية الحديثة، أن دور "السنة" وهي النموذج الحي الذي قدمه الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريراً، قد أغفل في العصر الحديث وفي كثير من عصور التدهور.

وبما أنَّ السنة مكمِّلة للقرآن وشارحة له، بل هي الدليل العملي على إمكانية تطبيق مبادئه، والعملُ بها هو عملٌ على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، كما أنّ هدمها هدم للهيكل الذي قام عليه صرح الإسلام.. وبالتالي فإن الذين يقولون بترك السنة يشبهون رجلاً يريد أن يدخل قصراً، ولكنه لا يريد أن يستعمل المفتاح الأصلي الذي يستطيع به وحده أن يفتح الباب.

بالإضافة إلى هذا، فإنه في هذه الأيام التي زاد فيها نفوذ المدنية الغربية في البلاد الإسلامية، فإن ترك نموذج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو "أسوة" حضارتنا وإمامها؛ إنما يعني التخلي عن حضارتنا الإسلامية، وقبولَ النماذج التي تقدمها هذه الحضارة الغربية، ولعل هذا ما يسعى إليه المتجرئون على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا كنا نحن مسلمين حقاً، نعتقد أن نبيّنا أحسن قائد عرفه البشر، وأنه -بطبيعة الحال- كان يعرف أمر الدين بناحيتيه الروحية والاجتماعية؛ فإن علينا أن نلتزم بهذه السنة، ولا سيما وأن مصادرها الصحيحة قد ثبتت بطريقة نقدية تاريخية علمية تفوق أيّ مصادر تاريخية في الأرض. والشك فيها يستوجب الشك في التاريخ البشري كله، بل إن ثبوتها يفوق -أمام مجيء المنهج التاريخي النقدي- ثبوت ما عداها من كتب الأديان الأخرى.

وبصفة عامة، فإن هناك عدة أسباب توجب إقامة السنة في حياتنا، وإحياءها في مجتمعاتنا باعتبارها أقصر طريق لإحياء حضارتنا الإسلامية. وأبرز هذه الأسباب:
• إن السنة تقوم بتمرين المسلم بطريق منظمة على أن يحيا دائماً في حال من الوعي الداخلي واليقظة الشديدة وضبط النفس، لأن الأعمال والعادات التي تقع عفواً لساعة تقوم في طريق التقدم الروحي للإنسان، وكأنها حجارة عثرة في طريق الجياد المتسابقة.
• إن الرجل الذي جاء بالسنة ليس هادياً من الهداة وإنما هو وحده "الهادي". فاتباعه اتباع للإسلام عينه، وإطراح سنته اطراح لحقيقة الإسلام.
• إن تطبيق السنة تنفض عنا روح الاستسلام والتبرير في قبول الصياغة الغربية للحياة. وبالتزامنا بها واتخاذنا إياها الكلمة الفصل، نستطيع بسهولة أن نعرف البواعث والآفات التي ترد علينا من المدنية الغربية.
ثم إننا نكون -في ذات الوقت- قد طبقنا القرآن نفسه. ألم يكن خلُقه صلى الله عليه وسلم القرآن كما ورد في الأثر، وألم يأمرنا القرآن نفسه بطاعته: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾(الحشر:7). فهل لدينا الصلاحية لكي نقبل نصف الإسلام ونرفض نصفه الآخر، أو نؤمن ببعض آيات القرآن ونكفر ببعض!

المسلم يفقد دوره الكوني


عندما فقد المسلم صلته بروح الإسلام وبحياة الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب يهبط في سلّم الحضارة. فكان أن فقد قدرته على الالتزام والانضباط. وكانت هذه هي الفرصة السانحة لكي تنتشر بين أفراده ألوان من "التواكلية" و"السذاجة" و"القدرية" والبعد عن استيعاب سنن الله الكونية وسنن الله في الاجتماع البشري، وقوانينه في التقدم والتخلف.

إن المسلم الذي ارتبط في مرحلة نضجه الحضاري بالصلوات الخمس في مواقيتها المرتبطة بالحركة الكونية، وعَرف "مواقيت الصلاة" سلوكاً دينياً ونظاماً دنيوياً، وتعبّد بقول القرآن ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾(النساء:103)، كما أدى الزكاة مع حلول "الحول"، وأيضا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾(الأنعام:141).. هذا المسلم الذي ارتبط بالكون والزمان هذا الارتباط الالتزامي الكريمَ، ونهاه دينه عن أن يسبّ الدهر، بل علمه القرآن أن لهذا الكون "غائية" مرتبطة بـ"سببية" قوية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾(آل عمران:190-191).. وعندما يخرج الإسلام بالعبادة عن إطار الشعائر المحددة ويوسع آفاقها، بحيث يجعلها سنة كونية عامة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات:56) فإنه إنما يقصد ربط المسلم بالحركة الكونية العامة في كل حركاته وأنشطته، لكي يؤدي الأمانة التي حملها تجاه الكون كله.
ولعلنا الآن نستطيع أن ندرك معنى الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾(الفرقان:62)، فإن التفسير الدقيق لتعاقب الزمان -كما يتجلى في أنفسنا- يؤدي بنا إلى فكرة عن الحقيقة القصوى، هي أنها "ديمومة بحتة"؛ يتداخل فيها الفكر والوجود والغاية لتؤلف جميعاً وحدة متكاملة.
لكن المسلم في مراحل انزلاقه، قد انفك ارتباطه بالسنن الكونية والاجتماعية. وسرعان ما وجد أشباه فلاسفة، يقدمون له التبريرات المطلوبة لفك ارتباطه بالحركة الكونية وللسير اعتباطياً على أرض التاريخ. فهو يتحرك دون وعي مسبق، وهو يتحرك غريزياً، وهو لا يعرف لحياته أهدافاً، وهو مقطوع الصلة بالكون وما تستتبعه هذه الصلة من آفاق "معرفية" وآفاق "جمالية" وحركة "إيجابية" وسباق بنّاء مع تعاقب الليل والنهار ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾.

أجل، إن السببية روح التاريخ، وإلا فماذا وراء هذه الحركة المكرورة في الكون؛ شمس وقمر وليل ونهار... ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(يس:40)، هل هي قصة عبثة؟!

وما في الكون، موجود -بنموذجه- في المجتمع البشري. فماذا يمكن أن يكون وراء آلاف المعارك البشرية وصور تدمير المدن وقيام أمم وسقوط أخرى...

أمام رستم بينما كان رستم قائداً للفرس، وكان ربعي كأنه عاري الجسم حافي القدمين، لكنه كان "الإنسان الأعلى" الذي جاء لإحداث الانسجام بين الحركة الكونية والحركة البشرية.لابد لهذه الأحداث المكرورة من أسباب وغايات. ولقد قدم القرآن للإنسان المسلم أسباباً هنا وغايات هناك، ارتبط بها المسلم يوم حدد لنفسه دوراً في هذه الحركة، يوم ساح المسلم في الأرض يحمل راية التغيير الإنسانية الشاملة: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده" كما قال ربعيّ بن عامر
وفي مراحل الانزلاق فقدَ المسلم هذا الدور الكوني، بل لقد فقدَ الإحساس بالسنن الكونية. وإن الزمان ليتحرك أمامه في تغييره ونظام انسجامه فيبدو له وكأنه يتحرك في "شاشة مرئية" أمامه، أو كأن الزمان مجرد "تمثيلية" مكتوبة بلغة أجنبية لا يعرفها المسلم الحديث، فلا يعنيه منها إلا الصور البلهاء التي تجعله يبتسم كالمبتسمين دون وعي، وقد يبكي أيضاً دون وعي بالأسباب التي تبكيه.

وضاعت روح المسلم


يقول أبو الحسن الندوي: "إنكم ترون في المتاحف كل نوع من السباع والأنعام والطيور الجميلة والعصافير.. ففيها الأسود والذئاب والأفيال، وفيها كل طائر جارح، وكل سبع مخيف؛ ولكنها جثة هامدة لا حراك فيها، وأجماد ميتة محشوة بالليف والقطن، ليس فيها رمق من حياة وقوة تهجم بها وتصول (...) إن الصورة لا تستطيع أن تسد مكان الحقيقة وتنوب عنها، ولا يمكنها أن تمثل دور الحقيقة في الحياة وتأتي بما تأتي به من عمل ونشاط، ولا يمكن أن تقاوم الحقيقة وتكافحها... فإذا وقع صراع بينهما انهارت الصورة (...) والصورة -ولو كانت مهيبة هائلة- تتغلب عليها الحقيقة ولو كانت ضعيفة متواضعة، لأن الحقيقة الحقيرة أقدر وأقوى من الصورة العظيمة المهيبة، وإن الطفل يقدر أن يسقط الأسد الميت المحشو بالليف والقطن بيده الضعيفة الناحلة، لأن الولد يحمل حقيقة ولو حقيقة صغيرة، والأسد ليس إلا صورة ولو كانت صورة مهيبة (...) ولذلك نرى بأعيننا أن "صورة الإسلام" أصبحت لا تغلب على "الحقائق" المادية الحقيرة، ونحن نحتاج اليوم إلى حقيقة الإسلام والإيمان للظفر على الحقائق المبثوثة في العالم".

نعم، إن أكبر مهمة دينية في هذا العصر وأعظم خدمة وأجلّها للأمة الإسلامية، هو دعوة السواد الأعظم للأمة وأغلبيتها الساحقة إلى الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقة الإسلام... لكننا نعتقد أن هذه الدعوة تحتاج إلى "برنامج" يسمح للمسلم بأن يتجاوز تلك العقبات التي تحجز بينه وبين أن يتمثل الحقيقة الإسلامية.

وهذا البرنامج لابد له أن يتّكئ على دعامتين أساسيتين:
• دعامة تفريغ المسلم من الجاهليات التي اندمجت في لحمه ودمه واتجاهه في التفكير، بل في عواطفه ومشاعره، وأصبحت وكأنها بعضه الذي لا ينفصل عنه إلا بعملية تفريغ.
• ودعامة ملء هذا المسلم بالإسلام الصحيح الحي الذي يملأ عليه دنياه ويصوغ له حياته، ويغني كل طاقاته عن البدائل المطروحة في ساحة الأفكار والفنون والآداب والتصورات الأخلاقية والكونية والجمالية.

وليس من شك أن المسلم في العصر الحديث يقف على مفترق طرق، حيث تتخايل أمام عينه وقلبه آراء وتيارات ذات مضامين خلابة، وذات بريق ساحر، وأنه لن يستطيع طويلاً أن يظل هكذا مائلاً هناك تارة، ومائلاً هنا تارة أخرى. كما أنه لا يستطيع أن يظل هكذا مسلماً بلا إسلام أو شكلاً بلا مضمون... "لقد انقضى نومه السحري الذي دام أجيالاً فيجب أن ينهض أو يموت"، "وإن المشكلة التي تواجه المسلم اليوم هي مشكلة مسافر وصل إلى مفترق الطرق... إنه يستطيع أن يظل واقفاً مكانه، ولكن هذا يعني أنه سيموت جوعاً، وهو يستطيع أن يختار الطريق التي تحمل فوقها هذا العنوان "نحو المدنية الغربية"، ولكنه حينئذ يجب أن يودّع ماضيه إلى الأبد، أو إنه يستطيع أن يختار الطريق التي كتب عليها "إلى حقيقة الإسلام"، لكنه في هذه الحال لابد أن يعود إلى روح الإسلام الحية الفاعلة الإيجابية، وأن يترك للإسلام فرصة الاستيلاء على كيانه كله، وإلا فإنه لا زال واقفاً في منتصف الطريق.
وإن نقطة الإعجاز في الحضارة الإسلامية أنها استطاعت -مع طبيعتها هذه- أن تمشي في التاريخ، وأن تقدم صوراً من الإبداع الحضاري المادي لا تقل عن أي حضارة أخرى سبقتها، أما عطاؤها في "الإنسانيات" فهو فريد في الحضارات كلها.

ولا تزال هذه الحضارة وستظل قادرة على أن تعطي. ولعل ما يجري على الساحة العالمية الآن من بوادر الانبعاث، أكبر دليل على القدرة الذاتية لهذه الحضارة الفريدة في التاريخ.

المصادر


(1) دارسات في الحضارة الإسلامية، للدكتور أحمد إبراهيم الشريف، طبعة مصر.
(2) الإسلام على مفترق الطرق، لمحمد أسد.
(2) تجديد الفكر الديني، لمحمد إقبال.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

دراسات قرأنية، دراسات إسلامية، الفكر الإسلامي، التفكير الإسلامي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 11-06-2011   موقع حراء التركي http://www.hiramagazine.com

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
جاسم الرصيف، د- محمود علي عريقات، وائل بنجدو، أنس الشابي، سحر الصيدلي، محمد عمر غرس الله، د. عادل محمد عايش الأسطل، سلوى المغربي، عزيز العرباوي، الهيثم زعفان، محمود صافي ، فتحـي قاره بيبـان، أحمد ملحم، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - أبو يعرب المرزوقي، صلاح المختار، د- محمد رحال، حمدى شفيق ، د. خالد الطراولي ، عراق المطيري، بسمة منصور، ابتسام سعد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، الشهيد سيد قطب، صباح الموسوي ، تونسي، طلال قسومي، رأفت صلاح الدين، صفاء العراقي، رافع القارصي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صلاح الحريري، عصام كرم الطوخى ، د - محمد سعد أبو العزم، د - محمد عباس المصرى، الناصر الرقيق، د. محمد يحيى ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، إياد محمود حسين ، عدنان المنصر، د. محمد مورو ، د. نانسي أبو الفتوح، مصطفي زهران، د. أحمد محمد سليمان، المولدي الفرجاني، فتحي الزغل، د - محمد بنيعيش، محرر "بوابتي"، شيرين حامد فهمي ، فاطمة عبد الرءوف، د. جعفر شيخ إدريس ، ياسين أحمد، حاتم الصولي، محمد شمام ، سامح لطف الله، محمد أحمد عزوز، محمد إبراهيم مبروك، رشيد السيد أحمد، فراس جعفر ابورمان، رافد العزاوي، محمد العيادي، محمد تاج الدين الطيبي، أحمد النعيمي، كريم السليتي، فتحي العابد، محمد الياسين، يحيي البوليني، فهمي شراب، أبو سمية، يزيد بن الحسين، عبد الغني مزوز، سيدة محمود محمد، د- هاني ابوالفتوح، إسراء أبو رمان، د- جابر قميحة، أحمد الغريب، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د.محمد فتحي عبد العال، د. عبد الآله المالكي، أحمد الحباسي، مجدى داود، د. مصطفى يوسف اللداوي، سيد السباعي، عبد الله زيدان، أ.د. مصطفى رجب، د - مضاوي الرشيد، عمر غازي، د - محمد بن موسى الشريف ، نادية سعد، الهادي المثلوثي، إيمى الأشقر، كريم فارق، إيمان القدوسي، سامر أبو رمان ، د- هاني السباعي، سفيان عبد الكافي، معتز الجعبري، د. نهى قاطرجي ، علي عبد العال، د. طارق عبد الحليم، خبَّاب بن مروان الحمد، هناء سلامة، د - صالح المازقي، حسن عثمان، كمال حبيب، د. صلاح عودة الله ، محمود سلطان، د. الحسيني إسماعيل ، د.ليلى بيومي ، منى محروس، ماهر عدنان قنديل، جمال عرفة، سوسن مسعود، د - المنجي الكعبي، رضا الدبّابي، سلام الشماع، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مصطفى منيغ، د - عادل رضا، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عبد الرزاق قيراط ، حميدة الطيلوش، محمد الطرابلسي، د - احمد عبدالحميد غراب، محمود فاروق سيد شعبان، د. أحمد بشير، علي الكاش، عبد الله الفقير، د - شاكر الحوكي ، د - مصطفى فهمي، رمضان حينوني، عواطف منصور، حسن الحسن، العادل السمعلي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد اسعد بيوض التميمي، أحمد بوادي، صالح النعامي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - غالب الفريجات، خالد الجاف ، محمود طرشوبي، منجي باكير، د. الشاهد البوشيخي، أشرف إبراهيم حجاج، صفاء العربي، فاطمة حافظ ، مراد قميزة، رحاب اسعد بيوض التميمي، سعود السبعاني، د - الضاوي خوالدية، فوزي مسعود ، حسن الطرابلسي، د. محمد عمارة ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة