تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

أحداث غزة في المدى المباشر والقريب
هل أحداث غزة محرقة أم صمود ومقاومة؟ (1-2)

كاتب المقال محمد شمام    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


أحداث غزة - كما عايشناها وعايشها العالم - كان مبدؤها محرقة ، وكذلك استمرت إلى أن توقفت الحرب . كانت محرقة شهدها الجمهور ، وشهد تزييف الحقائق وقلبها من طرف الصهاينة والغرب ومن والاهم ، وشهد الخذلان والقعود من الجهات الرسمية خاصة العربية . هذا هو الموضوع الأول من القسم الأول من مشروع ” من أجل التأسيس لنصرة غزة”.

أولا : زوايا وحلقات الموضوع


سنتناول هذا الموضوع بكل ما ارتبط بالمحرقة ، وما صاحب هذه المحرقة من صمود مشهود من أهل غزة ، وذلك في الحلقات التالية :

1. أحداث غزة محرقة .
2. أحداث غزة جريمة مشهودة.
3. أحداث غزة أخدود العصر.
4. طغيان بتحريف حقائق أحداث غزة وقلبها .
5. طغيان بالاصرار على مواصلة ظلم الضحية بالحصار الفاضح .
6. طغيان بتحويل العقاب إلى دائرة أنصار غزة (عمر البشير) .
7. واجب النصرة لأهل غزة انتصارا للذات الإنسانية والذات الإسلامية .
8. الصمود ، الوجه الآخر لأحداث غزة المكافئ لوجه المحرقة .

لقد كانت أحداث غزة محرقة (الحلقة1)، وجريمة مشهودة (الحلقة2)، وهي في الذهنية الإسلامية "أخدود" العصر (الحلقة3). ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تبع هذا الطغيان طغيان بتحريف حقائق هذه الأحداث وقلبها (الحلقة4)، وطغيان بالاصرار على مواصلة ظلم الضحية بالحصار الفاضح (الحلقة5)، بل وطغيان بتحويل العقاب إلى دائرة أنصار غزة (عمر البشير) كرسالة تقول أن العقاب لأهل غزة ولأنصارهم وليس لإسرائيل وأوليائها (الحلقة6).

أمام كل هذا الطغيان ، لم يبق من موقف أمام أي عاقل إلا موقف النصرة لأهل غزة على المدى المباشر والقريب وخاصة على المدى البعيد ، انتصارا للذات الإنسانية في الحد الأدنى ، والذات الإسلامية في الحد الأقصى (الحلقة7) .

ولم يكن لأحداث غزة فقط وجه "المأساة المحرقة" ، بل كان لها وجه آخر أيضا ، وجه الصمود بحجم الوجه الأول، وهذا وجه لا ينبغي أن يغمره وجه المأساة ولا أن يُنسى في زحمة التحديات (الحلقة8).

ثانيا : الزاوية الأولى (الحلقة الأولى) من الموضوع : أحداث غزة محرقة


لقد كتب وتحدث الكثير في هذه الزوايا من أحداث غزة بل عليها كان التركيز، الأمر الذي سيدعوني إلى المرور عليها باختصار ، تركيبا وصهرا للعديد مما كتب فيها . وبطبيعة الحال سنعتمد في ذلك منهجية التكرير بـ"مصفاتها الحضارية" (انظر مدخل هذا القسم) التي ستغيّب أصحابها الأصليين ومصادرها الأصلية ، وسنبدأ بالزاوية والحلقة الأولى "أحداث غزة محرقة"، وذلك في الفقرات التالية :

1. أحداث غزة هي من الزاوية الإنسانية محرقة
2. خطة تدمير المباني و المنشآت
3. منازل اختفت معالمها وأبراج سكنية شطرتها القذائف
4. خطة التصفية للعنصر البشري
5. حرق الأجسام البشرية بنار الفوسفور
6. الإصابات الجسدية والنفسية في الأطفال
7. خاتمة

(1) أحداث غزة هي من الزاوية الإنسانية محرقة :
تم تمهيد الشكوى التي قُدّمت إلى محكمة الجنايات الدولية بما يلي :

"السيد المدعي العام، سيُذكر العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني بين ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٨ و ١٨ يناير ٢٠٠٩ بأنه أحد أبشع الأعمال الوحشية في العصر الحالي. مُنع هذا الشعب المحروم من الدفاع و الحماية و فرص الهروب، وكان ضحية لضراوة جيش في بالغ القوة الذي تشير كل الدلائل إلى أنه هاجم المدنيين بشكل متعمد.”

ما حدث ليس كابوساً أفاق منه أهالي قطاع غزة في اليوم الرابع والعشرين للحرب المدمرة التي لم تنته بعد، بل هو حقيقة قائمة على الأرض بكل ما خلّفه الجيش الصهيوني في أرجاء القطاع. فإزاء الأحداث والنتائج المروِّعة انعقدت الألسن وعجزت الكلمات عن وصف ما جرى.

فعلى امتداد 22 يوما كاملة كانت تُشن على الشعب الفلسطيني الأعزل و المحاصر في قطاع غزة حرب إبادة بكل وسائل التدمير والحرق ، بما في ذلك المحرمة دوليا كالقنابل العنقودية والقنابل الفسفورية واليورانيوم المستنفذ، استهدف البشر والحجر والشجر، وطال المنازل والمساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسسات المدنية وحتى مدارس ومخازن الأمم التحدة (الأونروا) .

"ننتظر الموت”.. كان هذا عنوان حياة الفلسطينيين في غزة في أثناء الحصار وقبل الحرب .. مرضى يموتون بسبب انعدام الدواء، أطفال يختنقون داخل حضاناتهم بسبب انقطاع الكهرباء، بيوت عامَ ساكنوها على مياه الصرف الصحي.. عجائز استهلكهم الجوع ولا يجدون نصيرًا!!

كذلك كان حال أهل غزة قبل عملية " الرصاص المصبوب" أو "الرصاص المنصهر" أو "الرصاص المتدفق" ،فماذا سيصبح بعدها .؟ وليست هذه مجرد مسمّيات ، بل هي برنامج وخطة ، واجتهدوا ولم يألوا جهدا في تطبيقهما.

لقد تصور الإسرائيليون أن في مهاجمة غزّة، المحاصرة المجوّعة والمحرومة من شروط ووسائل الدفاع ، فرصة لا تفوّت تمكّنهم من استرداد هيبتهم، فقطاع غزّة لا يعدو كونه حيّاً مكتظّاً من أحياء المدن الكبرى، ينهض على أرض صغيرة، منبسطة مثل راحة الكفّ، وليس هناك ما يحول دون تدميره واجتياحه سوى أجساد أبنائه التي خططوا لإحراقها بالنابالم والغازات الفسفورية، ولتدمير مساكنها ومبانيها بساكنيها بأطنان القنابل الضخمة!

إن الحرّب على غزّة - بغض النظر عن كل الاعتبارات الأخرى - كانت كارثة انسانية ، بل مثل هذه الكلمات لا توفي بوصف الحقيقة إلا إذا وصفناها بأنها كارثة بحجم محرقة ، وإلا إذا قرّبناها للمخيال الغربي المعاصر بأنها أشبه بمحرقة هتلر لليهود (الهوليكست).

قال رئيس الموساد السابق في مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم الاثنين 19 جانفي : "أمطرنا قطاع غزة بالنار برا، بحرا وجوا، لكن حماس خرجت من بين الركام والرماد كطائر الفينيق..".

لقد انتصر الكيان الصهيوني في تقتيل الأطفال والنساء والشيوخ ، وفي الاعتداء على مقرات الأمم المتحدة وقتل الصحافيين ، وفي إلحاق الدمار في المباني والمنشآت وفي جرف المزارع والحقول ...هذا هو "الانتصار " الذي يفتخر به جنرالات الكيان الصهيوني .

ولمزيد التفصيل يمكن قراءة الفقرات التالية .

(2) خطة تدمير المباني والمنشآت :
حسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن ثلاثة أسابيع من العدوان على قطاع غزة أدّت إلى تدمير كامل أو جزئي لأكثر من 22 ألفا ونصف الألف من المباني ، وإلى تدمير طال البنية التحتية لقطاعات الخدمة العامة وطال مباني المؤسسات العامة والجمعيات والممتلكات الخاصة، والمؤسسات الصحية والتعليمية والرياضية ومباني للأنروا، كما أدى إلى شلل كامل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. ويقدر الجهاز ان إجمالي الخسائر الاقتصادية بلغت أكثر من مليار وتسعمائة مليون دولار.

وحسب نفس المصدر، فان العدوان شمل البشر والحجر والشجر والحيوانات والقطاعات الاقتصادية وجميع الفعاليات العامة والممتلكات الخاصة ، وأن عدد المساكن المدمرة بشكل كلي وصل إلى 4100 مبنى بتكلفة إعمار 200 مليون دولار، أما عدد المباني والمساكن المتضررة جزئياً فقد وصل الى 17000 مبنى، وتحتاج لترميمها ما قدره 82 مليون دولار.

وحسب التقرير ذاته، فقد تم تدمير أو إلحاق الضرر، بحوالي 1500 محل صرافة وورش حدادة ومنشآت تجارية، و20 مسجدا، و25 مدرسة وجامعة ومستشفى، و31 مقرا أمنيا، و16 وزارة بالإضافة إلى مجمع الوزارات، و20 سيارة إسعاف، وجسرين، و5 مقرات بلدية وهيئات محلية وملاعب ، و4 محطات بنزين، و10 خطوط مياه مجاري، و10 محطات توليد الكهرباء، و50 كيلومترا من الطرق.

(3) منازل اختفت معالمها وأبراج سكنية شطرتها القذائف :
على مدخل منطقة الكرامة، الواقعة شمال غرب مدينة غزة، ما أن تطأ القدم الحي السكني حتى يبدأ القلب بالخفقان سريعاً، وبوتيرة تتصاعد مع حجم الخراب.

وأول ما يشد النظر مشهد "برج الأندلس" السكني، المكوّن من ستة عشر طابقاً، وقد شطرته الآلة الحربية الصهيونية مناصفة طولاً، وكأنّ منشاراً قسمه نصفين . ومن حول المكان ، كان الفلسطينيون شيباً وشباباً ونساءًا ورجالاً، تأخذهم أقدامهم إلى مواقع الدمار والأنقاض وبقايا الأبنية.

وداخل منطقة "أبراج الكرامة"، كما يسميها الأهالي الذين بدؤوا يتوافدون تترا إلى شقق سكنية اهترأت من رصاص طائرات "الأباتشي" المروحية، يبدو مشهد ما بعد القصف الضاري أبلغ من أي وصف. منهم من راح يلملم أخشاباً تبقت من سرير طفل وليد لجمه الخوف على لقم ثدي أمه، وأشقاء وجيران من حوله يتفقدون أشياءهم الصغيرة، يحاولون إنقاذ حقائبهم المدرسية والكراسات الممزقة.

وإلى الشمال من منطقة الكرامة، تبدأ الكارثة بالتكشف تباعاً، ليس بدءاً بالطرقات المجرّفة، وليس انتهاءًا بالمنازل والمتاجر والورش الصناعية المتهالكة.

يصف "أبو يوسف" ما يشاهده من خراب إسرائيلي بانعقاد في اللسان، فقد توقف برهة قبل الإجابة، ثم التفت يمنة ويسرة ورمق الأراضي والمنازل المدمرة من حوله بنظرات عميقة، وقال الحاج العجرمي (88 عاماً)، "عايشت نكبة 1948، وحرب 1956، وحرب 1967، جميعها شمّة هواء أمام هذا البلاء". مضى التسعيني متعجباً، أو مستعجباً مما رأت مقلتاه المتعبتان. أكمل طريقه عائداً إلى وسط غزة، تسنده في الطريق الوعرة عكازه التي رافقته عقوداً من الزمن.

وعلى مشارف بلدة بيت لاهيا ، يلاحظ المرء أن العائلات التي فرّت من جحيم القوات الصهيونية ، بدأت بالعودة الحذرة إلى أحياء يمكن التعرف عليها بالكاد، لتفقد من نجا بحياته ومن قضى.

أمهات ينتحبن بكاءًأ فوق ركام منازلهن، يوارين الدمع، وأخريات تفتشن الأنقاض ليجمعن المتعلقات العزيزة على قلوبهن، في حقائب بلاستيكية.

وعلى الجانب الأيمن للطريق، لا يدرك المرء للوهلة الأولى أنّ ثمة بيوتاً كانت تنتصب هنا، فلم يبقَ من منزل الحاج علي عبد القادر أبو جلهوم (76 عاماً) الأسبستي، حجر على حجر.

أبو جلهوم جلس وسط ما كان يسمى سابقاً دكاناً، ومن حوله دجاجاته، يتأمل بعض أكياس البقوليات، ومواد تموينية، وحاجيات أطفال، يقتات منها وزوجته "أم العز"، التي أجبرته على الخروج من المنزل رغم أنفه، خوفاً.
يقول "أبو العز"، "لم أكن أرغب في الخروج من منزلي للبته، ماذا بقي لي في هذه الحياة وبعد هذا العمر لأعيش، لقد أخذت نصيبي منها، كان حريّ بي أن أُدفن قبل أن أشاهد بيتي كومة من خراب هكذا".

عيون المواطنين لم تزل غير مستوعبة لهول الدمار الذي أحدثته دبابات "ميركافاه" ومقاتلات "إف 16"، وما كان يهبط على المنازل والأراضي من صواريخ وقذائف وقنابل فسفورية.

سمير في العقد الثالث من عمره، فقد وشقيقه منزلهما، ورشة لإعادة تهيئة وإصلاح المركبات، التي أتت عليها جنازير الآليات العسكرية، فلم تُبقِ في المكان شيئاً ولم تذر سوى أكوام من الحديد لا تسمن ولا تغني من جوع.

وكان رجل يواسي صديقه محمد عطا سلطان، الذي سُوِّي منزله المكون من ثلاث طبقات بالأرض تماماً، قائلا "الحمد لله أنك حيّ، يمكن إعادة بناء المنزل، إن شاء الله".

(4) خطة التصفية للعنصر البشري :
لم تكن خطة الكيان الإسرائيلي تدمير المباني والمنشآت في ذاتها ، بل كان المستهدف الأول وظائفَها وخاصة من كان فيها من البشر ، في رقعة محاصرة لا مكان لهم يفرون إليه ، بل تعمدت إسرائيل أن تنفذ أولى غارات قصفها في وقت كان أطفال غزة فيه عائدين من مدارسهم، وكانت شوارعها ممتلئة بالمارة من كبار السن والنساء. وكانت بذلك الصور والأرقام مريعة .

قال مدير عام الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة معاوية حسنين إن عدد شهداء العدوان الصهيوني ضد القطاع منذ السابع والعشرين من ديسمبر الماضي وصل إلى 1315 شهيداً، ونحو 5500 جريح، نصفهم من الأطفال والنساء والمدنيين.

وقال إن من بين الشهداء 418 طفلا و111 امرأة و123 من كبار السن إلى جانب 16 مسعفا وأفراد من طواقم الدفاع المدني وأربعة صحافيين وخمسة أجانب . أي أن أكثر من نصف الشهداء هم من الأطفال والنساء والشيوخ والإعلاميين والمسعفين .

(5) حرق الأجسام البشرية بنار الفوسفور:
تعاني صباح أبو حليمة (45 عاما) من حروق مضاعفة في ذراعها وساقها ويقول أطباء يعالجونها في مستشفى الشفاء بغزة ان الحروق نجمت عن قذائف الفوسفور الابيض الحارقة التي استخدمها الجيش الاسرائيلي . وقالت صباح وهي ترقد متألمة على سرير بالمستشفى وقد لفت حروقها في ضمادات كثيرة "كان الامر مثل شهب تسقط وضوء أبيض قوي."

واضافت ان الهجوم وقع في بلدة بيت لاهيا شمال غزة حيث اصيبت صباح يوم الرابع من يناير كانون الثاني خلال هجوم وقع بالنهار واسفر عن مقتل زوجها وابنها.

وعرض الاطباء عينات من مواد بنية داكنة جمعوها في حقائب بلاستيكية تنبعث منها رائحة كيماوية كريهة.
وقال استشاري الجراحة صبحي سكيك "يخرج منها دخان اذا سمحت للهواء بالدخول اليها."

كما قدموا صورا لحروق مصابين التقطت مباشرة بعد نقلهم للمستشفى ومحاولات العلاج الاولى التي فشلت في منع امتداد الحروق الكيماوية الى العضلات.

وقال جراح التجميل جلال عبد الله "عندما نقلت هذه السيدة الى المستشفى كانت الجروح ملفوفة ومغطاة. وحين كشفناها بدأ ينطلق منها الدخان. كانت هناك رائحة كيماوية."

وأضاف "لم تكن لها نفس رائحة الحروق الناجمة عن النيران. كانت رائحتها مثل لحم متفحم.. لم نكن نعرف ما هذا في البداية. في النهاية اضطررنا الى التدخل الجراحي لاستئصال اللحم المحترق."

وذكر انه حتى بعد هذا العلاج توفي الكثير من المصابين لانهم " استمروا في نزف الدماء برغم نجاح الجراحة واصلاح الاوعية الدموية."

(6) الإصابات الجسدية والنفسية في الأطفال :
رصدت صحيفة الغارديان البريطانية من خلال مراسلها في قطاع غزة قصصا لضحايا الإصابات النفسية والجسدية التي تطال أكثر من 350 ألف طفل من جراء العدوان الإسرائيلي.

وتنقل الصحيفة قصة أميرة قرم (15 عاما) التي تستلقي على سرير المستشفى وقد لفت رجلها اليمنى بالجبس ويخترقها قضيب من المعدن.

فبعد عدة أيام من العملية التي خضعت لها، بدت أميرة عاجزة عن الكلام، وإلى الآن لا تستطيع سوى الهمس.

ووصفت الصحيفة الذكريات التي تطارد أميرة بأنها في غاية المرارة، فقد كانت شاهدة على مقتل والدها في الشارع خارج منزلها، وسمعت قذيفة أخرى تسقط على الأرض لتردي شقيقها علاء (14 عاما) قتيلا، وكذا شقيقتها عصمت (16 عاما).

كما تحمل أميرة في ذاكرتها الأيام الثلاثة التي قضتها وهي جريحة وشبه فاقدة للوعي، محاولة البقاء على قيد الحياة في منزل مجاور لها قبل أن يتم إنقاذها .

وأشارت الصحيفة إلى أن أمام أميرة مشوارا طويلا من العلاج حيث تستعد للسفر إلى فرنسا لتلقي العلاج المناسب والعديد من العمليات وفترة طويلة من العلاج النفسي .

وبعد الانتهاء من دفن من قضى في هذه الحملة، تبرز المعاناة الصادمة التي يتكبّدها أطفال غزة الذين يمثلون أكثر من نصف سكان القطاع.

ومضت الغارديان تقول إن تأثير هذه الحرب سيبقى لعدة سنوات مقبلة، مستشهدة بما قدّره برنامج الصحة المجتمعي بغزة من أن نصف الأطفال (نحو 350 ألفا) سيعانون من الاضطرابات النفسية لما بعد الصدمة.

أميرة تقول للصحيفة إنها تسعى لتحقيق حلمها بعدما تعود إلى غزة، "أريد أن أكون محامية، وأقف في محكمة أواجه فيها الإسرائيليين بما اقترفوه".

المتخصص في علم النفس إحسان عفيفي يقول إن "المشكلة أن الأطفال لا يشعرون بالأمان في كل مكان، سواء في منازلهم أو في الشارع أو حتى في المساجد".

وقال إن الإصابات الجسدية يمكن علاجها مع مرور الوقت، أما المشاكل النفسية فهي التي قد تبقى معهم إلى الأبد".

وحسب الطبيب النفسي إياد السراج فإن كثيرا من الأطفال باتوا يعانون من التبول اللاإرادي والتلعثم في الكلام والأرق عند النوم والتحول إلى العنف وفقدان الشهية.

(7) خاتمة :
وهكذا نرى ، أن الحرب على غزة - التي بدأت حصارا - تطورت إلى محرقة وبركان تفنّن فيها الإسرائيليون في أساليب الحرق والتدمير. إنه لأمر عجيب أن نرى : الذين فروا من محرقة فارسوفيا يصنعون محرقة غزة... الذين جوعهم وحاصرهم النازيون يجوعون الغزاويين ويحاصرونهم ...الذين عانوا من العنصرية ومن عبادة القوة العسكرية لا يتورّعون عن ذبح الأطفال والنساء والشيوخ وضرب الجوامع والمدارس والمستشفيات .

إن الذي فعله النازيون باليهود أنهم وضعوهم في معسكرات الاعتقال ثم ساقوهم إلى غرف الغاز، والذي فعله الإسرائيليون بأهل غزة أنهم حولوا غزة بالحصار إلى معسكر للاعتقال، ثم أقاموا لأهلها محرقة بأسلوب آخر، حيث عمدت إلى قصفهم ودك بيوتهم فوق رؤوسهم بمختلف أنواع النيران ، من الجو والبر والبحر. وكل هذا من غير أن يرفّ لهم جفن لتسمّمهم بنفس معتقدات جلاديهم القدامى ، ولاحول ولاقوة إلا بالله.

وفي الأخير نلاحظ أن هذه الزاوية من الموضوع ستجد لها مزيدا من التفصيل بالتطرق إلى الزاوية الموالية في الحلقة القادمة إن شاء الله .

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.


****************

الحلقة الثانية : أحداث غزة جريمة مشهودة


أحداث غزة - كما عايشناها وعايشها العالم - كان مبدؤها محرقة ، وكذلك استمرت إلى أن توقفت الحرب . كانت محرقة شهدها الجمهور ، وشهد محاولة تزييف حقائقها من المعسكر الصهيوني وأوليائهم ، كما شهد الخذلان والقعود من الجهات الرسمية خاصة العربية .

وقد تناولنا في الحلقة السابقة أحداث غزة من زاوية كونها أنها كانت محرقة ، وسنتناولها في هذه الحلقة الثانية من زاوية أنها كانت جريمة مشهودة ، وبطبيعة الحال سنتناولها بنفس المنهجية ، وذلك في الفقرات التالية :

1. حقيقة إسرائيل هي واحدة ولم يتغير سلوكها إلا في الدرجة
2. ثورتا الاتصالات الإلكترونية والمعلوماتية جعلتا العالم شهودا على ما يحدث فيه
3. توظيف وسائل الاتصال الحديثة بما أصبح به العالم حاضرا في أحداث غزة وشاهدا عليها
4. خاتمة : جيل جديد هو في طور النشوء

(1) حقيقة إسرائيل هي واحدة ولم يتغير سلوكها إلا في الدرجة :
كتب فهمي هويدي يقول : إحدى الخلاصات التي نخرج بها من متابعة المشهد في غزة أنه لا شيء تغير في إسرائيل، لكن العرب هم الذين تغيروا.

"قتلتُ - والكلام لأحد الإسرائيليين - ما بين 80 إلى مائة فلسطيني من النساء والأطفال . الأطفال كانوا يُقتلون بتحطيم رؤوسهم بالعصي . لم يكن هناك منزل واحد بلا جثث . أجبِر الرجال والنساء على البقاء في بيوتهم بلا طعام أو ماء ، ثم جاء الجنود لكي يفجروا المنازل بالديناميت. أمر قائدنا أحد الجنود بإحضار امرأتين إلى المنزل الذي كان على وشك تفجيره" .. جندي آخر افتخر بأنه اغتصب امرأة عربية قبل إطلاق النار عليها وقتلها. أمر الجنود امرأة عربية أخرى معها جنينها بتنظيف المكان لمدة يومين، وبعد ذلك أطلقوا النار عليها وعلى طفلها. القادة المتعلمون من ذوي الأخلاق الحسنة، الذين كانوا يعدون "أفضل الرجال" تحولوا إلى قتلة في معارك الطرد والإبادة التي انطلقت من الاقتناع بأنه كلما كان هناك عرب أقل، كان ذلك أفضل لإسرائيل.

"كان علينا أن نهاجم اللاجئين الفلسطينيين، انقسمنا إلى ثلاث مجموعات، كل واحدة ضمت أربعة أشخاص. شاهدت مع زميل لي عربياً يقف عند منحدر التل. قال لي زميلي جبيلـي: هار، جهز سكينك. زحفنا نحو الرجل الذي كان يردد لحناً عربياً، فسارع جبيلى إلى الإمساك به، وأنا أغمدت السكين في عمق ظهره. رأيت الدماء تتدفق على قميصه القطني المخطط. ودون أن أضيع أية ثانية، تصرفت تصرفاً غريزياً وقمت بطعنه مرة أخرى بالسكين، تأوه الرجل وتمايل ثم سقط مضرجا في دمائه.
( القصتان وردتا في ثنايا كتاب صدر مؤخراً عن دار الشروق الدولية حول "إرهاب إسرائيل المقدس”)

هذا الذي حدث قبل ستين عاماً يتكرر الآن في غزة، ولم يختلف السلوك الإسرائيلي في هذه المرة إلا في الدرجة .

(صحيفة "الشرق" القطرية الصادرة يوم 13 جانفي 2009)

فإذا كانت حقيقة إسرائيل هي واحدة وسلوكها في حقيقته هو نفسه، فما الذي حدث هذه المرة مع أحداث غزة؟ ما الذي تغيّر حتى رأينا هذه الحقيقة في إسرائيل الآن؟

الذي تغيّر شيئان خطيران، لقد تغيّرت وسائل الاتصال التي جعلتنا حضورا وشهودا على الأحداث، وأيضا نوعية العنصر البشري والجمهور المستقبل لتلك الفضاعات والشاهد عليها. لا شك أن أحدهما غير منفكّ عن الآخر في الأثر والتأثير، ويمكن أن نعتبر أن حديثنا عن أحدهما هو حديث عن الآخر.

وبالنظر للدور الخطير الذي كان لهذا الأمر على أحداث غزة ، وبالنظر لخطورته على مستقبل البشرية وعلى إعادة الاعتبار لدور الجمهور بما يعيد للدولة حجمها وينهي طغيانها وجبروتها واستبداددها ، رأينا من المناسب أن نقدمها في الفقرة الموالية بالعمق الذي تناولها به عالم الاجتماع الدكتور محمود الذوادي.

(2) ثورتا الاتصالات الإلكترونية والمعلوماتية جعلتا العالم شهودا على ما يحدث فيه :
يجوز اليوم الحديث بسهولة عن ثورة في الاتصال الالكتروني تمس بالتحديد الكلمة المنطوقة والمكتوبة والصورة. وتتمثل معالم هذه الثورة في سرعة تنقل كل تلك العناصر من مكان إلى مكان في لمح البصر. تعطي هذه التحولات مشروعية للقول بأن عالمنا المترامي الأطراف أصبح أصغرمن قرية صغيرة.

يجمع أغلبية الناس على تفسير معالم هذه الثورة بعامل التقنيات الحديثة للإرسال والتواصل. فالهاتف جعل التواصل بالصوت والكلمة مع الآخرين ظاهرة عالمية وبالتالي فقد قرب الهاتف بين من تفصل بينهم آلاف الأميال وسلاسل الجبال والصحاري الشاسعة والمحيطات الضخمة، فأصبحوا كأنهم يعيشون جنبا إلى جنب.

أما على مستوى التواصل بالكلمة المكتوبة فثورة التواصل هي أيضا على قدم وساق.

فإرسال الرسالة والوثيقة والتقريروالكتاب... أصبح يتم أيضا في لمح البصرعن طريق الفاكس والإنترنات. يرى العالم ألفن طوفلر( Alvin Toffler) أن ثورة الاتصالات والمعلوماتية هي أهم بكثير من الثورتين السابقتين: الثورة الفلاحية والثورة الصناعية. إن معالم الثورة في هاتين الأخيرتين تتمثل في التغييرالكبير الذي طرأ على الجوانب المادية للأرض والعالم، ويكفي ذكر ما أحدثته وما تحدثه الثورة الصناعية من تغيير مادي ضخم سهّل كثيرا تغلب الإنسان على صعوبات وعراقيل محيطه الطبيعي بكل أصنافها، فعزز ذلك قدرة المجتمعات البشرية على استغلال الموارد الطبيعية لصالحها.

أما ثورتا الاتصالات والمعوماتية فيمكن وصفهما بأنهما ثورتان تستعملان عناصر الجوانب غير المادية بالمعنى المادي التقليدي للأشياء ، وتحدثان عملهما الثوري في حياة المجتمعات بواسطة الكلمة المنطوقة والمكتوبة والصورة. وبعبارة أخرى، فأدوات هاتين الثورتين هي أدوات تنتمي إلى عالم رموز الإنسان الذي يمثل الجانب الآخر/الروحي/المتعالي لبني البشر.

لماذا تصل الرسائل والوثائق المرسلة بالفاكس وبالإنترنات بسرعة كبيرة مقارنة ببطء سرعة نفس المراسلة إذا تمت بالبريد العادي أو حتى بالبريد السريع؟

يمكن تفسير ذلك بكل بساطة من منظور نظريتنا للرموز الثقافية في أن المراسلة بالفاكس والإنترنات تلغي عاملي الوزن والحجم للشيء المرسل. وهذا يعني أن هذا النوع من المراسلة يحرر الشيء المرسل من معطياته المادية (الوزن والحجم) فيعيده إلى طبيعته الأصلية الأولى والمتمثلة في فقدان الرموز الثقافية للوزن والحجم. وبالغياب المطلق أصلا لهذين العنصرين في كل مكونات منظومة الرموز الثقافية البشرية، تتأهل هذه الأخيرة بكل مشروعية للتنقل بسرعة فائقة وعجيبة تشبه ما يروى عن السرعة المدهشة لتنقل الكائنات الروحية والميتافيزيقية. وهذا ما يفسر أيضا مدى شدة سرعة تنقل الكلمة المرسلة عبر الصوت. فأصبحت مضربا للأمثال. فنقول تطير طائرة الكونكورد بسرعة كبيرة تقترب من سرعة الصوت أو تتفوق عليه.. وترجع هذه السرعة الخاطفة لكون أن الكلمة المنقولة عبر الصوت في النداء البسيط على مسافة قريبة بين الأفراد أو أثناء تهاتفهم على مسافات بعيدة بالهواتف الجوالة / المحمولة أو القارة هي كلمة ليس لها في الأ صل لا وزن ولا حجم.، وبالتالي فهي طليقة سريعة بطبيعتها لا يعرقل تنقلها السريع العنصران الماديان الوزن والحجم . إن القرب الخيالي الذي حققته ثورة الاتصالات اليوم واقع يٌحدث الذعر والاندهاش وعدم التصديق وربما الجنون للأجيال السابقة لو أنها بعثت من قبورها وعادت إلى عالمنا. فالأمر لا يكاد يحتمل فعلا التصديق في عالم يغلب عليه منطق الماديات المحسوسة أن يتخاطب الناس عبر الهاتف ، وأن يشعروا وكأنهم وجها لوجه لكن بدون حضورأجسادهم جنبا لجنب ، وأن يشاهدوا صورة الجسد ويستمعوا إلى الصوت بكل وضوح وكأن ذلك الجسد وذاك الصوت حاضران بينهم . يحدث كل ذلك في دنيا الواقع بالرغم من العراقيل المادية المحسوسة التي كانت في الماضي السحيق والقريب تجعل إمكانية وقوع مثل تلك الأحداث من قبيل المستحيل واللامعقول والخيال والمعجزات.

وهكذا يتجلى لنا أنه بالثورة الالكترونية سقطت الحدود الجغرافية/المادية بين البلدان. فبالفضائيات التلفزيونية أصبحت - بواسطة الكلمة المنطوقة والمكتوبة والصورة - سماء كل تلك البلدان مفتوحة لبعضها البعض بحيث يعجزعن منع دخول المعلومة إلى بلاده كل مستبد لا يرحب بشفافية الخبر ولا بمبدإ الرأي والرأي الآخر.

إن ثورتي الاتصالات والمعلوماتية هما أمّا الثورات جميعا من حيث النوعية، لأنهما تمسّان أهم ما يتميزبه الإنسان عن بقية الكائنات الأخرى ألا وهي منظومة الرموز الثقافية التي أهّلت بكل مشروعية الجنس البشري وحده للسيادة /الخلافة في هذا العالم..

(من مقال منشور في مكتبة مقر كبير الحومة)

(3) توظيف وسائل الاتصال الحديثة بما أصبح به العالم حاضرا في أحداث غزة وشاهدا عليها :
لقد كان ما تقدم في الحلقة السابقة ، وكانت الكتابات والأحاديث قاصرة وعاجزة عن نقل الحقيقة ووصفها وتوصيلها إلا قليلا ، ولذلك قال المفكر اليهودي الأمريكي ناعوم تشومسكي - والمحرقة لا زالت قائمة - :

"بشاعة العدوان الإسرائيلي على غزة جعلت لساني عاجزا عن وصف دقيق لما يحدث هناك.. بحثت في القاموس عن لفظة تجسد هول ما يحدث، فلم أجد.. حتى مفردة (الإرهاب) أو (العدوان) غير معبرة عن حقيقة المأساة".

هذا قول من شهد مشاهد وصورا من المحرقة التي نقلتها ثورة الاتصالات في لحظتها إلى البشر في العالم وهم في مواقعم.

لقد وُظّفت وسائل الاتصال الحديثة من طرف الجمهور بإمكانياته وأساليبه وطرقه في نقل الأحداث والتفاعل معها. وكان الدور الرائد في هذا هو لبعض الفضائيات خاصة قناة الجزيرة التي غطت الأحداث وتابعت تطوراتها لحظة بلحظة ، وتناولتها من جميع أبعادها. وكانت سلطة غزة واعية بأهمية وخطورة هذا الدور ، فحرصت عليه وعلى نقل وتوثيق الحدث بالصوت و الصورة ، وسهلت قدر المستطاع مهمة وسائل الإعلام ، ووفرت لهم كل دعم ممكن للقيام بعملهم ، ونقل كل الكم الهائل من صور ومشاهد الدمار وقتل الإنسان واستخدام الأسلحة المحرمة .

ومثل هذا النقل بمثل هذه الوسائل كانت ناطقة في ذاتها بالحقيقة ، مما فضح ليس فقط الإعلام الإسرائيلي ولكن الإعلام الغربي والإعلام المتواطئ معهم ، الذي تورط في سياسة الحذف والبتر وإخفاء بعض الحقائق المهمة ، أو في التشويه ، أو في التعتيم ؛ حتى لم نر من الحرب على شاشاتهم إلا صورا باهتة بعيدة عن نقل حقيقة ما يجري .

ورغم سياسة الصمت والطمس والتضليل التى اعتمدها الإعلام الغربي ، ورغم ما يوهم به من حيادية كاذبة ورأفة منافقة بذوي الحس المرهف من فضاعة الصور، ورغم كل تلك الأعذار المستخفة بعقولنا التي سيقت تبريرا فجا لعدم الكشف عن الهول الذي حل بغزة وأهلها ، ورغم الحرص والضغوطات وشراء الذمم ؛ رغم كل ذلك ، فإن مشاهد الجريمة - من فرط شناعتها - اخترقت ، ومعالم الجاني - من فرط دمويته - ظهرت ، وأسطورة "أكبر ديمقراطية" و"معجزة الشرق الأوسط"- كما يحلو لبعضهم أن يتشدق به - تهاوت.

وفي اختصار بليغ يلخص مطاع صفدي كل ذلك بقوله: "تقشّع عن الكيان وهم الـ"دولة الديمقراطية" لـ"شعب" من ضحايا المحرقة النازية، ليظهر تحتها مشروع المستعمرة العسكرية، المتحولة إلى قلعة محكومة من مرتزقة القتلة، برسم التأجير لعصر الإمبراطورية الأمريكية الآفلة."

بمثل هذه المشاهد والصور عاش الشارع العربي والإسلامي الحدث في غزة يوماً بيوم بل ساعة بساعة، وفي أحيان كثيرة بنقل مباشر من بعض الفضائيات ، بخلاف ما كان الأمر في الماضي . وكان في مثل هذا النقل تعبئة مستمرة شحنت خاصة الشارع العربي والإسلامي ، بمختلف مشاعر السخط والغضب ليس على إسرائيل وما تفعله فقط ، ولكن على الأنظمة العربية ذاتها .

إنها محرقة وجراحات تشكو إلى ربها على لسان حال ضحاياها ظلم العباد ووحشيتهم ، مسجلة ومسطِّرة رِسالةً لن يقدر أحد ولا الزمن على محوها: " نحن الضحايا ظُلمنا وحرّقنا وكان العربُ والمسلمون والبشر على ظُلمنا من الشاهدين".

(4) جهود لطمس معالم الجريمة ! :
في أثناء وبعد الحرب الإسرائيلية وعملية "الرصاص المسكوب " على غزة ، كشفت المشاهد الناطقة لعويل ضحايا الفوسفورالأبيض والأسلحة المحرمة ونحيب الثكالى وصراخ الرضع بين الأشلاء ، عن مدى السقوط الأخلاقي ليس للكيان الإسرائيلي فحسب بل للغرب المتشدق بالقيم ، وعن مدى دمامة وجه هذا الكيان ، ومدى استخفافه بأبسط الأعراف والعهود والمواثيق الدولية لترسخ صورة جلاد نازي أو ربما أبشع .

أمام تلك المشاهد الناطقة بدأ الرأي العام العالمي، ولأول مرة خلال 60 سنة من الصراع العربي الصهيوني ينأى بنفسه عن الموقف الرسمي لحكوماته ، ليدين وبشكل صارخ حرب الإبادة ، وجبروت الآلة العسكرية ، واستخفاف الكيان بكل الأعراف والمواثيق.

وأصيب الكيان الإسرائيلي بالذعر أمام ما بدأ يراه من تآكل وتهاوي الصورة التي صنعها لنفسه في الذهنية العامة للبشرية وخاصة في الذهنية الغربية ، وذلك بحكم ثورة الاتصالات والمعلوماتية ، وتغير الأجيال وتنامي الدور الفعال لحركة الشعوب والمنظمات الأهلية المستقلة على حساب دور الحكومات المرتهنة عموما . إن الصهاينة يدركون جيدا مدى خطورة نفاذ صور الأوصال المقطعة والأجساد المتفحمة والأطفال المسمولة أعينهم غدرا، إلى رأي عام دولي كثيرا ما ضللته وسائل دعايتهم من جهة ، وكثيرا ما دجنته عقدة ذنب المحرقة يورثونها للمجتمعات جيلا بعد جيل من جهة أخرى .

إنهم يدركون مدى خطورة ذلك ، ولذلك فبمجرد إيقافهم للنار دخلوا في حملة إعادة كسب للرأي العام الدولي بمحاولة التغطية على كل ما اقترفوه خلال تلك الأحداث من جرائم . لا شك أنه يمكنهم أن يعطّلوا الكثير من الأشياء ، ولكن لا يمكنهم بحال محو تلك المشاهد والصور حتى من أذهانهم هم أنفسهم .

خاتمة : جيل جديد هو في طور النشوء
وهكذا نرى أن الشعوب العربية والإسلامية لم تعد جاهلة بما يدور حولها اليوم، لأنها تعيش في «عصر المعلومة المشاعة» بل والمشهودة ، حيث - مع دخول الفضائيات أكثر بيوت العرب والمسلمين - لم تعد إسرائيل ولا الغرب ولا الحكومات قادرة، كما كانت في الماضي، على إخفاء المعلومات أو تزويرها أمام الشعوب.

ان تلك الملايين من الشعوب العربية والإسلامية وبعد أن تابعت المجازر الإسرائيلية ضد الأطفال والنساء والشيوخ على الهواء مباشرة، سيتولد منها جيل جديد يكون هدفهم القضاء على الجبروت الصهيوني والغربي . إنه مع انطلاق كل صاروخ اسرائيلي وسقوط كل شظية واطلاق كل رصاصة على المستضعفين في غزة وفلسطين ، ومع كل طغيان جديد على العالم العربي والإسلامي ، وعلى العالم عامة ، يتم التسريع في نشوء وظهور هذا الجيل الجديد. هذا إذا لم تخرّج صور الأشلاء الممزقة والأرواح التي تزهق أمام عين العالم وبصره، جيلاً جديداً قد لا يقدر أحد أن يتحكم فيه . ونسأل الله السلامة لنا ولجميع المسلمين .
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

********
وقع التصرف في العنوان الأصلي بالإختصار، وذلك لتيسير نشر المقالات
مشرف موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

غزة، فلسطين، مجزرة، مقاومة، حرب، جهاد، تنظيمات جهادية، وسائل إعلام، حماس، إسماعيل هنية، مجزرة، مشروع حضاري، ،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 31-08-2009  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  تأملات في ركن الصيام
  نحو توحيد التونسيين وترشيد اختلافاتهم(3)
  نحو توحيد التونسيين وترشيد اختلافاتهم (2)
  نحو توحيد التونسيين وترشيد اختلافاتهم (1)
  الإعلان عن مبادرة نحو مشروع شعبي أهلي ومدني لمواصلة مشوار الثورة
  أحداث غزة في المدى المباشر والقريب هل أحداث غزة محرقة أم صمود ومقاومة؟ (1-2)
  من أجل التأسيس لنصرة غزة القسم الأول : أحداث غزة في المدى المباشر والقريب
  من أجل ترشيد قضايا العودة والسياسة (3) هدية إلى الشيخ راشد الغنوشي(*)
  من أجل التأسيس لنصرة غزة في المنهجية (3 -4)
  من أجل التأسيس لنصرة غزة في المنهجية (1 -2)
  من أجل التأسيس لنصرة غزة هل انتهت أحداث غزة ؟ -3-
  من أجل التأسيس لنصرة غزة هل انتهت أحداث غزة ؟ -2-
  من أجل التأسيس لنصرة غزة هل انتهت أحداث غزة ؟ -1-
  كلمة الجمهور بمناسبة انتصار غزة (3-4-5)
  كلمة الجمهور بمناسبة انتصار غزة (تمهيد-1-2)
  من أجل ترشيد قضايا العودة والسياسة (2) لقد آن الأوان لتحرير قضايا العودة والسياسة من المنطق الإجرائي
  من أجل ترشيد قضايا العودة والسياسة (1) حول مؤتمر المهجّرين التونسيين

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حسن عثمان، إيمى الأشقر، كريم فارق، مجدى داود، رأفت صلاح الدين، كمال حبيب، شيرين حامد فهمي ، محمود طرشوبي، عزيز العرباوي، مصطفي زهران، فتحـي قاره بيبـان، د - صالح المازقي، إيمان القدوسي، محمد الياسين، أحمد الحباسي، سامح لطف الله، إياد محمود حسين ، بسمة منصور، حسني إبراهيم عبد العظيم، المولدي الفرجاني، هناء سلامة، جاسم الرصيف، عبد الغني مزوز، عواطف منصور، أحمد بوادي، يزيد بن الحسين، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سامر أبو رمان ، أحمد الغريب، رافع القارصي، سلام الشماع، جمال عرفة، محمود سلطان، د. محمد يحيى ، فهمي شراب، علي الكاش، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، يحيي البوليني، د- جابر قميحة، د - محمد سعد أبو العزم، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - غالب الفريجات، رمضان حينوني، الشهيد سيد قطب، فتحي العابد، د. محمد مورو ، حمدى شفيق ، د - شاكر الحوكي ، صفاء العربي، تونسي، أ.د. مصطفى رجب، محمد تاج الدين الطيبي، حسن الحسن، ماهر عدنان قنديل، علي عبد العال، أبو سمية، رشيد السيد أحمد، محمود فاروق سيد شعبان، صلاح المختار، د . قذلة بنت محمد القحطاني، منى محروس، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سعود السبعاني، سلوى المغربي، عبد الله زيدان، د - محمد عباس المصرى، فاطمة عبد الرءوف، معتز الجعبري، عبد الله الفقير، د - أبو يعرب المرزوقي، د - الضاوي خوالدية، د- هاني السباعي، محمد إبراهيم مبروك، فاطمة حافظ ، فوزي مسعود ، خالد الجاف ، ياسين أحمد، د.محمد فتحي عبد العال، د. محمد عمارة ، د. مصطفى يوسف اللداوي، رضا الدبّابي، ابتسام سعد، مصطفى منيغ، أشرف إبراهيم حجاج، د- هاني ابوالفتوح، الهادي المثلوثي، أحمد ملحم، مراد قميزة، د - محمد بنيعيش، د - المنجي الكعبي، د. عبد الآله المالكي، طلال قسومي، د. أحمد محمد سليمان، حميدة الطيلوش، حسن الطرابلسي، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد عمر غرس الله، صلاح الحريري، عمر غازي، د - مصطفى فهمي، سفيان عبد الكافي، د - احمد عبدالحميد غراب، صباح الموسوي ، عراق المطيري، عدنان المنصر، د. صلاح عودة الله ، د- محمد رحال، محمد أحمد عزوز، سيدة محمود محمد، محمد اسعد بيوض التميمي، سوسن مسعود، د. نانسي أبو الفتوح، خبَّاب بن مروان الحمد، عصام كرم الطوخى ، سحر الصيدلي، د. خالد الطراولي ، د.ليلى بيومي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. الشاهد البوشيخي، أحمد النعيمي، د. عادل محمد عايش الأسطل، حاتم الصولي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، العادل السمعلي، د- محمود علي عريقات، صالح النعامي ، سيد السباعي، محمد شمام ، محرر "بوابتي"، وائل بنجدو، محمود صافي ، أنس الشابي، محمد الطرابلسي، محمد العيادي، فتحي الزغل، رافد العزاوي، د - محمد بن موسى الشريف ، د. طارق عبد الحليم، كريم السليتي، منجي باكير، نادية سعد، عبد الرزاق قيراط ، فراس جعفر ابورمان، د. جعفر شيخ إدريس ، د. نهى قاطرجي ، إسراء أبو رمان، الناصر الرقيق، د - مضاوي الرشيد، د. أحمد بشير، د. الحسيني إسماعيل ، صفاء العراقي، الهيثم زعفان،
أحدث الردود
ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة