تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الثقافة المغتربة

كاتب المقال د. كمال حبيب   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


الاغتراب؛ أي الشعور بالاختلاف عن الجماعة على المستوى النفسي بشكل رئيسي؛ ومن ثَم عدم القدرة على التكيف معها وعدم الانتماء الحقيقي إليها.

وأسوأ اغتراب هو ذلك الذي يشعر فيه الإنسان أو المؤسسة بأن ثقافة الغير أفضل من ثقافة قومه وأهله، ويعيش ذلك الذي يواجه تلك المحنة نوعًا من الانفصام النكد الذي يؤرق عيشه ويعكر صفو تفكيره، إنه ذلك الذي يُطلق عليه "اللامنتمي"؛ لأنه في الواقع ينسلخ عن قومه وثقافتهم وتاريخهم ونمط حياتهم ونظام شرائعهم، ليلتحق بثقافة جماعة أو أمة أخرى؛ فإذا بها تحاذر منه، ولا تقبله بشكل تام في داخلها، وكأنه انسلخ عن هوية قومه دون أن يحقق اندماجًا في هوية من يريد الاستتباع لهم.

وتتعمق أزمته حين يتحول كمخلب قط في يد الجماعة التي يبغي اللحاق بها ليدمر ثقافة قومه الذين جاء منهم.
واجه العلمانيون في العالم الإسلامي الذين انبهروا بحضارة الغرب مطلع القرن الماضي تلك الأزمة، والتي عبَّر عنها الدكتور "محمد محمد حسين" في كتابه الهام "حصوننا مهددة من الداخل"، وأشار إلى تلك الأزمة "أبو فهر محمود شاكر" في رسالته "في الطريق إلى ثقافتنا"، وعبَّر عنها في كتابه الضخم والمهم "أباطيل وأسمار".

والعجيب في أمر العلماني أنه ذرائعي وبراجماتي، فهو يذهب إلى السلطة ليتحالف معها من أجل أن يقوم بمهمته في تغيير هوية أبناء أمته وثقافتهم، وحدث ما يمكن أن نصفه بنوع من تراضي وظيفي بينهم وبين الساسة العلمانيين أيضًا؛ بحيث تركت الدولة لهم المجال الثقافي "ليبرطعوا" فيه وينشطوا في فضائه، مستفيدين من المكانة والدعم السياسي والمالي من جانب الدولة.

وأذكر مثلًا؛ أن عبد الناصر قال لليساريين والماركسيين في عصره: لكم الثقافة أما السياسة فلي، اعملوا ما تريدون فيها أما السياسة فإن تطاولتم على مقامها فسوف أقطع رقابكم ولكم الويل والسجن.

وأصبح قيادات الإعلام والثقافة، والصحف والتلفزيون، وقصور الثقافة وهيئات الكتب، ومراكز الترجمة والمجلات الثقافية، ومراكز الفنون والسينما وغيرها مما لا يمكن حصره مفتوحة على مصراعيها للعلمانيين، يرتعون فيها ويتمتعون بالمخصصات المالية لها، وهو من أموال دافعي الضرائب، من أهلهم الذين يتآمرون عليهم لتغيير ثقافتهم والتحدث بلسان العدو من الغرب واليهود، وكل من "لَفَّ لَفَّهُم" وسار على منهجهم.

فمثلًا مجلة "إبداع"؛ هي مجلة تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة المصرية، وهذه الوزارة والهيئة إنفاقها والصرف عليها من أموال المصريين، ويرأس مجلس إدارتها أحد هؤلاء العلمانيين، وهو "أحمد عبد المعطي حجازي"، نشرت قصيدة بعنوان "شرفة ليلى مراد" للشاعر اليساري حلمي سالم، تمس الذات الإلهية وتمس مقام رب العالمين.

ورفع أحد المحامين قضية لإيقاف المجلة بسبب عدوانها على مقام الله سبحانه وتعالى، وجاء في حكم المحكمة الذي قضى بوقف المجلة: "من غير المتصور عقلًا أن يكون هذا العمل قد نُشر عبثًا دون أن يمر على القائمين على هذه الأعمال؛ الأمر الذي يؤكد أن بعض أولئك لديهم القناعة والاستعداد لنشر مثل هذا الإسفاف المتطاول على رب العزة والجلالة". وليس أمر "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوري "حيدر حيدر" عنا ببعيد.
الغريب أن أهل تلك الثقافة الخائنة من شعراء وفنانين وبيروقراط، يمارسون الخيانة والتحدي لثقافة الناس بالذهاب إليهم في عقر دارهم؛ لتقديم أعمال فنية تأخذ بيد الناس إلى العلمنة والتحديث بعيدًا عن الإسلام والدين، فقد ذهبت قافلة ثقافية إلى مناطق بدوية في سيوة وسيدي براني ورأس الحكمة، محمية بقوات الأمن؛ لتقديم ما يسمونه عروضًا فنية، تقوم فيها "الغوازي" ـ على حد قول الخبر المنشور ـ بالرقص عارية أمام الجماهير.

كما كانت المغنية ترتدي لباسًا عاريًا؛ وهو ما جعل الجمهور البسيط يقوم بالهياج والثورة على القافلة ورجمها بالطوب والحجارة، وكان المشهد يدعو للرثاء؛ الدكتور أحمد مجاهد مدير قصور الثقافة والوفد الصحفي المرافق له يتسللون لواذًا خوفًا من الجماهير الغاضبة في حراسة قوات الأمن، بينما كان المشايخ وعلماء الإسلام في المساجد حذروا من القافلة ومثقفيها؛ لأنهم يقترفون ثقافة الحرام بالمعنى الشرعي.

الجماهير تقذف القافلة الثقافية بالحجارة فتحتمي بالأمن، هنا الثقافة وجهًا لوجه في مواجهة سخط الجماهير، وهذه هي محنة ثقافة الضرار التي تذهب في غلوائها حد اقتحام البيوت على الناس؛ من أجل تحدي هويتهم وعقيدتهم ونمط حياتهم؛ فإذا بها تصبح عدوًّا للناس وللجمهور، يحميها الأمن والسلطة منهم.

والغريب أن المنطق العلماني يقول بحرية ثقافة الخيانة والردة، ولا يقول بضرورة احترام عقائد الناس وهويتهم ودينهم، ففي قرية الشورانية في قلب سوهاج اخترق البهائيون المرتدون البلد، وجاهروا بالردة في وسط جمهور مسلم؛ فهاج الناس وحرقوا بيوتهم، فتلك جريمة شرف للتخلص من عار أولئك، وهنا لابد من تفهم مشاعر الناس وتقديرها، فحين لا يجد الناس أمامهم سوى أن يحموا دينهم بأنفسهم، فليفعلوا وهذا حقهم، بل هو واجب عليهم.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تغريب، ثقافة، علمانية، غزو فكري، غزو إعلامي، غزو ثقافي، ليبيرالية، تنويريون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-04-2009   shareah.com

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د- محمود علي عريقات، د - احمد عبدالحميد غراب، د - غالب الفريجات، د. الشاهد البوشيخي، سامح لطف الله، ماهر عدنان قنديل، د - عادل رضا، فاطمة عبد الرءوف، أحمد الغريب، د - شاكر الحوكي ، إسراء أبو رمان، يحيي البوليني، د - الضاوي خوالدية، علي الكاش، بسمة منصور، د. أحمد محمد سليمان، سوسن مسعود، صلاح الحريري، أ.د. مصطفى رجب، الشهيد سيد قطب، محمد أحمد عزوز، محمد العيادي، الناصر الرقيق، د. نهى قاطرجي ، خالد الجاف ، حمدى شفيق ، شيرين حامد فهمي ، منى محروس، عراق المطيري، يزيد بن الحسين، أحمد الحباسي، عدنان المنصر، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صفاء العربي، رافع القارصي، حسن عثمان، إيمى الأشقر، مراد قميزة، سعود السبعاني، محمد الطرابلسي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. صلاح عودة الله ، فهمي شراب، فتحي الزغل، أحمد ملحم، سامر أبو رمان ، الهادي المثلوثي، أنس الشابي، محمد شمام ، د - المنجي الكعبي، ابتسام سعد، منجي باكير، د - محمد عباس المصرى، د. جعفر شيخ إدريس ، د- هاني السباعي، سيدة محمود محمد، سلوى المغربي، المولدي الفرجاني، مصطفى منيغ، د. نانسي أبو الفتوح، د.ليلى بيومي ، أشرف إبراهيم حجاج، حسن الحسن، جاسم الرصيف، د - مصطفى فهمي، محمود فاروق سيد شعبان، صلاح المختار، رشيد السيد أحمد، تونسي، د- محمد رحال، عبد الغني مزوز، عبد الله زيدان، فوزي مسعود ، فتحـي قاره بيبـان، جمال عرفة، د. الحسيني إسماعيل ، نادية سعد، د. محمد عمارة ، د - محمد سعد أبو العزم، محمد إبراهيم مبروك، معتز الجعبري، هناء سلامة، علي عبد العال، وائل بنجدو، صباح الموسوي ، د- جابر قميحة، حسني إبراهيم عبد العظيم، عمر غازي، خبَّاب بن مروان الحمد، أبو سمية، رمضان حينوني، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمود صافي ، د - محمد بنيعيش، سلام الشماع، د - مضاوي الرشيد، حاتم الصولي، صفاء العراقي، إياد محمود حسين ، سحر الصيدلي، حميدة الطيلوش، رافد العزاوي، د. محمد يحيى ، أحمد النعيمي، سيد السباعي، د. عبد الآله المالكي، مصطفي زهران، عبد الرزاق قيراط ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، مجدى داود، رأفت صلاح الدين، عواطف منصور، د.محمد فتحي عبد العال، د. خالد الطراولي ، د- هاني ابوالفتوح، د. طارق عبد الحليم، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، كريم السليتي، طلال قسومي، د. محمد مورو ، محمود طرشوبي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، حسن الطرابلسي، محمد عمر غرس الله، محمد اسعد بيوض التميمي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، ياسين أحمد، محمد تاج الدين الطيبي، الهيثم زعفان، د - صالح المازقي، محمود سلطان، كريم فارق، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فاطمة حافظ ، صالح النعامي ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمد الياسين، محرر "بوابتي"، رضا الدبّابي، إيمان القدوسي، عصام كرم الطوخى ، د. أحمد بشير، سفيان عبد الكافي، د. مصطفى يوسف اللداوي، أحمد بوادي، عزيز العرباوي، كمال حبيب، العادل السمعلي، د - محمد بن موسى الشريف ، فراس جعفر ابورمان، د - أبو يعرب المرزوقي، عبد الله الفقير، فتحي العابد،
أحدث الردود
تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة