تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

(43) محمد أركون وحصاد الصراع بين الإسلاميين والليبراليين

كاتب المقال د - أحمد إبراهيم خضر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


فى كتابه "سؤال الهوية" وجه التنويرى الماركسى المتطرف "شريف يونس"، لائحة اتهام لرفاقه التنويرين، وإن كان قد تحفظ فى اعتبار ما قاله بأنه لائحة اتهام. أقر” يونس” بأن ظاهرة التنوير ظاهرة نشطت فى السنوات الأخيرة، وأنه قد مضى وقت كاف على نشاطها العلنى، وعلو صوتها الملموس فى المنابر الحكومية وغير الحكومية، طرحت نفسها للناس على أنها "سلطة" و "كمبدأ مقدس"، بادرت باستخدام جميع أسلحة الإرهاب الفكرى ضد خصومها، لأن المسألة كانت بالنسبة لهـــــا "مسألة حرب": سلطة أمام سلطة، ومبدأ مقدس أمام مبدأ آخر مقدس، خصومها يدافعون عن "الله" وهى تدافع عن الوطن والحرية والديموقراطية، ورغم ذلك فقد حدث لهذه الظاهرة تدهور خطير صحبها منذ بدايتها ذاتها، وترافق مع علو صوتها، جعلها دائما فى موقع الدفاع.

العلمانية التى نادت بها، كما يرى "يونس" هى علمانية منافقة، ليس من شأنها سوى تأكيد موقفها الدفاعى هذا، دون أمل فى الخروج منه، اضطرت دوما للتراجع المستمر كلما اشتد هجوم خصومها، وإلــى جانب ذلك فهى "علمانية مبتورة" أصبحت قضيتها "قضية نخبة" أو نحلة مضهدة تمارس تقية مكشوفة تغطى بها على أفكار حكم عليها أصحابها أنفسهم بأنها لا تصلح للتداول العام، وأنها أشبه "بجيتو يهودى" مستقل سياسيا وإيديولوجيا، ولو فرض امتداد هذا الخط على استقامته فسيتحول كما يرى "يونس" إلى أصولية جديدة، سرية، تقوم مع انعزالها المتزايد "بتكفير" المجتمع بإسم "العقل المجرد والتقدم"، وقد تبحث لنفسها عن هجرة تحتمى بها مما يسميه " يونس" الجاهلية الإسلامية القادمة"

حدد " يونس " لائحة الإتهام لرفاقه التنويرين على النحو التالى:

التنويريون يثبون على الفجوة التى تحدث بين الإسلاميين والسلطة، ويرتمون فى أحضان السلطة لتدفع عنهم ما يسميه "بالشيطان الرجيم" ممثلا فى الإسلاميين، يستعدون السلطة عليهم ـ ويحاولون إقناعها بخطورتهم، ويطالبونها بتحكيم العقل التنويرى وبالديموقراطية والحرية فى نفس الوقت الذى يصرون فيه على إبعاد الإسلاميين عن وسائل الإعلام والعمل على الحد من تأثير دعايتهم على الناس. والإلتصاق الشديد بالسلطة مقابل غير معلن : إنه التحرك فى إطار خطة النظام القائم. وعلى هذا الأساس فإن التنوير الحالى لا يقدم سوى مشروع سياسى وحيد، هو تقوية الدولة القائمة، فهو تابع لها، موال لنظامها، يكيف مبادئه على مقاس احتياجات النظام الذى لا يطلب تنوبرا حقيقيا، إنما يطلب فقط صيحات استنكار ضد الإسلاميين.

أدركت السلطة ذاتها كما يرى "يونس" ما يسميه هو نفسه "بهزال التنوير المعاصر" فعمدت إلى استدعاء الموتى من كتاب التنويريين القدامى، لينوبوا عن التنويرين الأحياء فى مواجهة الإسلاميين، فقامت بإعادة طبع كتب التنوير القديمة، لكنها حذفت منها هذه النصوص المثيرة للإسلاميين، مما يعنى فقد قدرتها على المواجهة، بالرغم من أن هذه النصوص فى حد ذاتها ذات طبيعة مراوغة تمثل مراوغة أصحابها ذاتهم – كما يرى يونس.
والمعركة مع الإسلاميين فى نظر "يونس" ليست معركة نصوص وإنما هى معركة سياسية إجتماعية إيديولوجية حية، ولهذا فإن الإسلاميين لا يستمدون قوتهم من إعادة طبع الكتب القديمة ككتب إبن كثير مثلا، وإنما من أعمال مفكرين إسلاميين أحياء يطرحون إجابات إسلامية لقضايا الواقع المعاصر، وفى إطار هذا الطرح تأتى استعادة أفكار ابن كثير وغيره.

التنوبر لا يخشى السلطة أساســـا، وإنما يخشى الجماهير، إنه يرتعب من الجماهير ومن التدين الشعبى التقليدى. وصف "يونس" هذه الجماهير بأنها "هذا الكيان الجمعى المجهول الغامـــــض، المثير للرعب بمجهوليته ذاتها والذى يتضخم شبحه مع تزايد انعزال التنوير جماهيريا، وإحجامه عن التوجه الفعال الصريح برسالة محددة ذات قيمة لهذه الجماهير".

التنوير لم ينجح - من فرط رعبه من الجماهير- أن يقدم لها شيئا له قيمة. بل إنه متهم بتغريب هذه الجماهير واستخدام هذا التغريب كأداة للتحديث لصالح الطبقة الحاكمة على حساب الجماهير. ويتساءل "يونس" : " ماالذى يقدمه التنوير؟ فكرة الوطن، الوحدة الوطنية؟ المجد القومى؟ إنه لا يوضح لنا وطن من، ولا مجد من. وقصارى ما يطرق فى هذا الصدد هو وطن التسامح الدينى، وهو محتوى سلبى.
فى مقابل ذلك يطرح الإسلاميون فكرة العروبة فى إطار رؤيتهم الخاصة، فيتحدثون عن عزة العرب فى ظل الإسلام، وقوة الإسلام على قيادة نهضة قومية. ماذا يطرح التنوير أيضا؟ الديموقراطية؟ وماذا تفعل الديموقراطية فى ظل غياب محتوى ملموس لها، أى فى ظل غياب إيديولوجية علمانية صريحة منسقة مدافعة عن حقوق الجماهير فى تنظيم نفسها للدفاع عن مصالحها".

والعلمانية المعاصرة عند "يونس" تخشى الديموقراطية خشية الموت، وهى لم تنس بعد درس "الإنتخابات الجزائرية" التى وقفت منها موقفا مخزيا، مؤيدا عمليا للإنقلاب على حد قوله.

ليس للتنويرين مشروعا يتقدمون به إلى الجماهير يربطون به بين مصالحهم والعلمانية، فهم يرفعون راية الوطنية فى مواجهة راية الإسلاميين، ويقدمونها على أنها التفسير الصحيح للإسلام، ولكن فى صورة وصفها "يونس" بأنها "غريبة لا تقنع أحدا". ادّعوا أن نشاط الإسلاميين ما هو إلا "إرهاب متستر بالدين"، ثم تطوعوا بتعيين أنفسهم فقهاء للإسلام، يقدمون تفسيرا له يرون أنه صحيحا، ولكن فى مشهد وصفه "يونس" أيضا بأنه " مشهد كوميــــــــــــدى عجيب". " القومية" كبديل يقدمه التنوير، بديل عاجز وغير مكافئ لما يقدمه الإسلاميون. و"القومية" هى فى التحليل الأخير مفهوم سياسى يستند إلى طرح ضعيف عن خصوصية الأمة المعنية، وهو فى نظر الإسلاميين طرح "متخلف فقير للغاية" إذا قورن بالمبدأ الأممى للإسلام الذى يطرح نفسه كرسالة عالمية. وبالإضافة إلى ذلك فإن مبدأ القومية عاجز عن حمل مشروع إجتماعى واضح يقوم على موقف من التناقضات الداخلية فى الأمة، فى حين أن الإسلاميين يطرحون عبر مبدأ "حاكمية النص" مشروعات إجتماعية محددة.

وهكذا أثبت الإسلاميون على اختلاف توجهاتهم فى كل معاركهم مع العلمانيين قدرتهم على تحطيم ما يسميه "يونس" بالمتاريس الورقية، سواء باستيعاب مبدأى القومية والتسامح الدينى داخل الإطار الإسلامى (جزئيا) أو برفضهما، إنطلاقا من مبدأ "حاكمية النص"، وفى كلتا الحالتين يطرح الإسلاميون موقفهم براحة تامة فى إطار محاكمة العلمانية من وجهة نظر تفسيرهم للنص، وإذا لزم الأمر فباستطاعتهم، ببساطة متناهية، رفع شعارات "الجنسية الإسلامية" فى مواجهة مبدأ "القومية"، ونظرية "أهل الذمة" فى مواجهة مبدأ "المواطنة"، ودفع التنويرين إلى الدفـــاع عن إسلامهم، حتى وصل الأمر بالبعض من المفكرين العلمانيين إلى الرد على تهمة التكفير بتكفير مضــــاد، فاندفعوا لتسمية خصومهم " بالمتأسلمين" فى الوقت الذى يجلسون فيه هم على المنصات، يشرحون عبرها فهمهم الخاص للإسلام، ويظهرون بمظــــــــــهر " لفقهاء" ليخفوا، بغير نجاح كبير حقيقة " العلمانى " المهزوم، بنفس عبارات " يونس".

العلمانية المعاصرة تتجنب بالذات الإشتباك مع جوهر الطرح الإسلامى وهو "حاكمية النــــص"، وخاصة فى كتابات المفكرين الإسلاميين البارزين، اللهم إلا ما يمكن تصيده من عباراتهم ممـــــا يراه "يونس" بأنه يصدم الرأى العام كالتكفير أو الأفكار الوطنية، ويلجئون بدلا من ذلك إلى ما يسميه "يونس" باللف والدوران". العلمانيون عجزوا كما يرى "يونس" عن الدفاع عن علمانيتهم إلا بشكل ملتو، ومحاولة البحث عن تناقضات فى فكر الإسلاميين، وحتى فى هذه الحالة لا يعجز الإسلاميون عن دحر العلمانيين. ويتحدد مفهوم "الحاكمية" عند "يونس" بمبدأ الطاعة والخضوع للنص أو تأويلاته المحددة، والذى يؤكد نفسه عبر سلسلة أوامر تفصيلية لتنظيم الحياة الإجتماعية والإقتصادية والإيديولوجية تطرح نفسها باعتبارها تفسيرا مطابقا للنص ذاته. ويتكامل هذا الطرح كإيديولوجية عبر تجسيده فى تفسير التاريخ. والإسلام فى كل تفسيراته عنـــــــد "يونس" دين ودولة، وهو يعنى إخضاع الكيان الإجتماعى لأحكام فقهية وهذا أمر يلقى اتفاقا يمتد من الأزهر وحتى ما يسميه يونس "بالتكفير والهجرة"، فالإسلام فى المقام الأول مبدأ شامل ينظم كل مناحى الحياة يمتد من الخوف من المعاصى والعادات والآداب التى لا تنتهى لتحكم كل تفاصيل الحياة بدءا من دخول دورة المياه والسلوك داخلها إلى علاقة الإنسان بربه وامتدادها إلى علاقتها بالبشر - كل هذا يتعين فرضه فرضا.
ويضيف " يونس " أن مبدأ الحاكمية يقوم على أساس المساواة بين البشر، وعلى أساس راسخ مفاده وجود علاقة عبدية بين الإنسان والله، دور الإنسان فيها أو دور الصفوة عمليا هو استطلاع الأوامر الإلهية وتنفيذها حرفيا، بغض النظر عن السياق التاريخى والإجتماعى المعاصر، " فالله" فى الإسلام، يشار إليه ليس بوصفه خالقا أو راعيا فقط، ولكن كسلطة تعلو كل فرد على حدة، بحيث لا تقام رابطة بين هذا الفرد وغيره من البشر، أو حتى بالطبيعة إلا عبر الأوامر الإلهية كما يحددها فقهاء الإسلام. ولمواجهة هذا المبدأ الإسلامى لجأ العلمانيون إلى التمسك بمبدأ "مطاطية النصوص"، وهذا من شأنه فى نظر " يونس" أن يجرد المطلب العلمانى ذاته من أى معنى. والطرح العلمانى فى نظر " يونس" إنما يريد التخلص من حاكمية النص عن وعى وإدراك كاملين بمخاطر محتواه. وهو محتوى تشكل تاريخيا عن طريق الفقه. واتهام "يونس" للتنويرين هنا يكمن فى أنهم لجأوا الى التمسك بمبدأ "مطاطية النصوص" فى الوقت الذى كان عليهم كما يرى "يونس" أن يرفضوا رفضا صريحا مبدأ "حاكمية النص" لأنه يمثل فى نظره إخلالا بقيم الحرية والفردية والمواطنة والنزعة الإنسانية عموما.

الطرح العلمانى - كما يرى يونس - يحاول قصر نفسه بقدر الإمكان على المستوى السياسى، فيزيد من حدة التشهير السياسى بالإسلاميين، ولهذا تنحصر المواجهة فى مسألة مايسميه "يونس" بالإرهاب، وأساسها الفقهى "التكفير" على حد قوله.
أما دفاع التنويرين عن قضايا مثل حرية المرأة والعدالة الإجتماعية أو الديموقراطية أو حقوق الأقليات المسيحية، فهو دفاع لا يواجهون فيه مباشرة الطرح الإسلامى لهذه القضايا، ولا يتعرضون لمسألة الرفض الصريح لسلطة النص أو لمبدأ إسلامية الدولة والمجتمع. وهذا يعنى أن التنويرين لا يستبعدون الأساس الإيديولوجى الضرورى لمثل هذا الطرح.، والإقرار بمرجعيته بشكل غير مباشــــر فى حين أن الطرح الإسلامى يتميز عن الطرح العلمانى كما يرى "يونس" فى أنه يضع نفسه مباشرة فى مواجهة صريحة مع العلمانية ورموزها، هذا فضلا عن أن "الإسلاميين الجدد" يطرحون مبدأ حاكمية النص بارتباطه بالثقافة السائدة عند الجمهور وبوصفه طوق نجاة دنيوى لهذه الجماهير المقهورة.

الممارسة الحالية للعلمانية تنم عن قبول ضمنى أو صريح لمسألة إسلامية الجماهير- كما أشرنا أعلاه- ترتب على ذلك أن أصبحت العلمانية ذاتها محل شك، سواء من حيث معناها أو قيمتها، لأنه تضمن التسليم بجوهر الطرح الإسلامى الذى يرفع الدين إلى ما يسميه " يونس" بإيديولوجية شامـلة، نابعة مباشرة من وعى الجماهير وتراثها، الأمر الذى يستدعى قبول أطروحة بعض العلمانيين القائلة:"أن الإسلام هو الإيديولوجية المؤهلة للدفاع عن حق الجماهير فى الحياة، والحد من امتيازات الطبقة العليا التى تتمثل القيم الغربية أو بالأحرى مظاهرها بدرجة أو بأخرى، وتتخذها سدا للحفاظ على امتيازاتها وتبربرها.

العلمانية عند "يونس" هى المبدأ الذى ينادى بفصل الدين عن الدولة، والتعليم العام، وتحويل الدين إلى شأن خاص بالفرد، وكفالة حق الأفراد بتغيير عقائدهم كيف شاءوا، دون اعتبار ذلك إخلالا بالنظام العام، ورفض ادعاءات أتباع أى دين أو ملة بأن من حقهم فرض تصوراتهم الخاصة على المجتمع. وتنطلق العلمانية عند "يونس" من رؤية إنسانية غير دينية للعالم، تحرر الفرد من الخضوع لما يسميه "بالقهر" بإسم الغيبى والمطلق والمقدس، وتأكيد مسؤولية الإنسان وليــــــس "الله" عن عدله ونظامه الإجتماعى بأوسع معنى للكلمة. هذه المطالب عند "يونس" هى أسس فكرية لا مجرد مبادئ يصفها بأنها "صحيحة " فى حد ذاتها، بل هى شروط ضرورية فى نظره للتقدم التاريخــــى، تحرر البشر مما يسميه بأشكال القهر والوصاية الفكرية وتمكنهم من بناء عالمهم بحرية. وفى ظل النظام العلمانى لايجوز للدولة أن تستند إلى مرجعية دينية من أى نوع، ولا يجوز لها أن تحجر النقاش الحر حول الأديان والعقائد، وعلى الدولة فى نظر "يونس" أن تحمى حق نقد الأديان. والمسألة الجوهرية عند "يونس" هى تحرير الفكر والممارسات السياسية والإجتماعية من الدين أو التقيد بأى مرجعية دينية.
يتـــــهم " يونس" التنويرين بأن شاغلهم الأساسى أصبح هو التهرب من هذه المسألة. وأنهم قد فشلوا تحت وطأة حركة الإسلاميين من الدفاع عن حريتهم المطلقة فى التعبير، وجنحوا فى مقابل ذلك إلى الدفاع عن صحة إسلامهم مما يعنى فى نظــــــــــــر "يونس" التسليم الضمنى بحق قتل المرتد عن الإسلام، ومن ثم انعدام القدرة على الدفاع عن حرية الفكر.

نجح الإسلاميون فى دحر التنويرين بعد أن أدركوا ضعف موقفهم العلمانى، فالتنوير كما يـــــــــــرى "يونس" عاجز عن طرح رؤية إيديولوجية علمانية صريحة فى مواجهة الإسلاميين فهو لا يستطيع مثلا طرح "قيم جنسية تحررية ترتبط بالمرأة"، وترتعد فرائصه أمام تهمة "الإباحية" كما يرتعب بشدة من تهمة الإلحاد، ولا يستطيع الدفاع بشجاعة عن قيم التحرر الإجتماعى بوصفها قيما إيجابية، وهكذا.... ومن هنا حاصر الإسلاميون العلمانيين، ثم اتبعوا معهم تكتيك "تهدئة المواقف" بدلا من الهجــــوم، فأطلقوا الوعود بالحفاظ على حد أدنى من الحريات فى ظل الحكم الإسلامى المرتقب سواء للعلمانيين أو الأقليات الدينية. ويرى "يونس" أن هذا موقف طبيعى من جانب إيديولوجية متكاملة تجاه بضع أطروحات واعتراضات جزئية،لا ترمى فى نهاية المطاف إلا إلى الدفاع عن فئة محاصرة، لم تتمكن من طرح نفسها أصلا كمنافــــــس كفء، لا إيديولوجيا ولا سياسيا.

هذه هى لائحة إتهامات "شريف يونس" لرفاقه العلمانيين، لا نضيف إليها إلا ما أقرّ به بعضهم من أن التنويريين العرب عموما مبعثرون، لا يجمعهم إطار تنظيمى عام أو حتى قضية عامة، خواء فكرى وثقافى وسياسى، تسيطر عليهم القيم المادية، إنتاجهم الثقافى ليس هدفه "الشهرة" فقط كما يرى "يونس" وإنما "الربح" كذلك.

أما "شريف بونس" نفسه، فلا يرى أمامه من عدو يجب اجتثاثه من جذوره سوى الإسلام والإسلاميين، وامتد به الحقد إلى لغة القرآن فقال ما نصه: "لابد من نشر الثقافة والقضاء على عقلية وصاية المثقف، وهذا يتطلب بصفة أساسية تحرير اللغة المكتوبة من القواعد الموروثة، وإتاحة الفرصة لها للتطور خارج قفص الوصاية الضيق لمجامع اللغة والمصححين اللغويين،ومجمل هذا الجهاز الإيديولوجى الذى يترتب على نشاطه إقامة حوائط هائلة الإرتفاع تحول عمليا دون انتشار الثقافة وتحافظ على طابعها النخبوى، انطلاقا من الحق الديموقراطى البديهى لكل ناطق أصلى للغة فى تغيير مفرداتها، ونحت غيرها وتغيير معانيها كما يحدث فى كل لغة حية".


لم يتعرض "شريف يونس" لقضية هامة، وهى ارتماء التنويرين العرب فى أحضان رجال اللاهوت النصارى، وبمعنى أصح اصطياد رجال اللاهوت من النصارى لهم. والمثال الواضح لذلك هو احتضان "روبير كاسبار" و " كلود جيفرى" لـ "محمد أركون". و"الأب جيفرى" هو أحد أعضاء مجموعة باريس التى يرأسها الأب "روبير كاسبار" وهما من رجال اللاهوت المسيحى. يؤمن "كاسبار" بأهمية الحوار مع الإسلام وفقا لما يدعيه "بالاحترام المتبادل" وأهمية "البحث التاريخى". وتعمل مجموعة باريس ضمن جماعة أوسع فى البحث الإسلامى - المسيحى. تضم هذه المجموعة "فرانسوا سميث فلورنتان" و "جان لامبير" و"كلود جيفرى".

احتضن " كاسبار" المفكر العلمانى المعروف "محمد أركون" ليكون عضوا فى مجموعة باريس هذه. أما أهمية "الأب جيفرى" فتكمن فى أنه صديق شخصى "لأركون"، وهذا الأخير يحترم "جيفرى" ويبجله كثيرا، ويتردد عليه ويستمع لآرائه، بل يتوق بشدة إلى معرفة تعليقاته وملاحظاته على أفكاره.وفى كلمات مليئة بالإعجاب المشوب بالإستجداء يصف "أركون" الأب جيفرى" فيقول:"تركت قلمى يجرى على هواه كما أفعل عادة عندما أتحدث بكل حرية مع "الأب كلود جبفرى"، وعنده الجواب عن كل شيئ، فهو يستحسن كلامك، أو يعدل منه، أو يصححه أو يكمله، ولكنه نادرا ما يرفضه. أريد أن أوجه إليه أمنية وطلبا.. أتمنى لو يجد الوقت المناسب للرد على كلامى.
"الأب جيفرى"كما يصفه "أركون" أحد اللاهوتيين القلائل الذين خطوا خطوة هامة نحو تشكيل ما يسميه "بلاهوت الوحى"، لا يستبعد القرآن وإنما يدمجه داخل رؤية ديناميكية حية".

هذه الكلمات الأخيرة لـ "محمد أركون" تؤكد صدق ما أشار إليه علماء الإسلام من أن "من يرفض أن يكون عبدا لله فلا بد أن يكون عبدا لغيره" و"ما من عبد يقدم أضحية لله إلا ويقدم العابدون لغير الله أضعافها من أنفسهم وأموالهم وأعراضهم".

ويؤكد اصطياد "كاسبار" وجيفرى" لـ "محمد أركون" صدق ما أكد عليه المفكرون الإسلاميون من أن "أهل الكتاب لا يحرصون على شيئ قدر حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها التى هى صخرة النجاة، وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة، وأعداؤه يعرفون هذا جيدا قديما وحديثا. ويبذلون فى سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما فى وسعهم من مكر وحيلة، ومن قوة وعدة، وحين يعجزون عن محاربة هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين، وحينما يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهـــم، يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام أو ممن ينتسبون الى الإسلام زورا، جنودا مجندة لتننخر لهم فى جسم هذه العقيدة من داخل الدار، ولتصد الناس عنها، ولتزين لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعا غير أوضاعها، وقيادة غير قيادتها. يقول الله تعالى:" ياأيها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين". آل عمران 100

( انظر مقالتنا " التنويريون الليبراليون وحائط الحاكمية " ).

---------------------

الدكتور أحمد إبراهيم خضر


الأستاذ المساعد السابق بجامعات القاهرة، والأزهر، وأم درمان الإسلامية، والملك عبد العزيز.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

التنويريون، ليبيرالية، علمانية، الحداثة، النص والتأويل، نقد الخطاب الديني، غزو فكري، التراث والمعاصرة، محمد أركون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 4-04-2009  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  (378) الشرط الأول من شروط اختيار المشكلة البحثية
  (377) مناقشة رسالة ماجستير بجامعة أسيوط عن الجمعيات الأهلية والمشاركة فى خطط التنمية
  (376) مناقشة رسالة دكتوراة بجامعة أسيوط عن "التحول الديموقراطى و التنمية الاقتصادية "
  (375) مناقشة رسالة عن ظاهرة الأخذ بالثأر بجامعة الأزهر
  (374) السبب وراء ضحالة وسطحية وزيف نتائج العلوم الاجتماعية
  (373) تعليق هيئة الإشراف على رسالة دكتوراة فى الخدمة الاجتماعية (2)
  (372) التفكير النقدى
  (371) متى تكتب (انظر) و (راجع) و (بتصرف) فى توثيق المادة العلمية
  (370) الفرق بين المتن والحاشية والهامش
  (369) طرق استخدام عبارة ( نقلا عن ) فى التوثيق
  (368) مالذى يجب أن تتأكد منه قبل صياغة تساؤلاتك البحثية
  (367) الفرق بين المشكلة البحثية والتساؤل البحثى
  (366) كيف تقيم سؤالك البحثى
  (365) - عشرة أسئلة يجب أن توجهها لنفسك لكى تضع تساؤلا بحثيا قويا
  (364) ملخص الخطوات العشر لعمل خطة بحثية
  (363) مواصفات المشكلة البحثية الجيدة
  (362) أهمية الإجابة على سؤال SO WHAT فى إقناع لجنة السمينار بالمشكلة البحثية
  (361) هل المنهج الوصفى هو المنهج التحليلى أم هما مختلفان ؟
  (360) "الدبليوز الخمس 5Ws" الضرورية فى عرض المشكلة البحثية
  (359) قاعدة GIGO فى وضع التساؤلات والفرضيات
  (358) الخطوط العامة لمهارات تعامل الباحثين مع الاستبانة من مرحلة تسلمها من المحكمين وحتى ادخال عباراتها فى محاورها
  (357) بعض أوجه القصور فى التعامل مع صدق وثبات الاستبانة
  (356) المهارات الست المتطلبة لمرحلة ما قبل تحليل بيانات الاستبانة
  (355) كيف يختار الباحث الأسلوب الإحصائى المناسب لبيانات البحث ؟
  (354) عرض نتائج تحليل البيانات الأولية للاستبانة تحت مظلة الإحصاء الوصفي
  (353) كيف يفرق الباحث بين المقاييس الإسمية والرتبية والفترية ومقاييس النسبة
  (352) شروط استخدام الإحصاء البارامترى واللابارامترى
  (351) الفرق بين الاحصاء البارامترى واللابارامترى وشروط استخدامهما
  (350) تعليق على خطة رسالة ماجستير يتصدر عنوانها عبارة" تصور مقترح"
  (349) تعليق هيئة الإشراف على رسالة دكتوراة فى الخدمة الاجتماعية

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
إيمان القدوسي، رافد العزاوي، علي عبد العال، ابتسام سعد، حاتم الصولي، محمد الطرابلسي، جاسم الرصيف، سامر أبو رمان ، كمال حبيب، رشيد السيد أحمد، يزيد بن الحسين، د. نهى قاطرجي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمود سلطان، وائل بنجدو، محمود صافي ، حسن الحسن، رحاب اسعد بيوض التميمي، فاطمة عبد الرءوف، فوزي مسعود ، سلام الشماع، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - محمد بن موسى الشريف ، أشرف إبراهيم حجاج، د - أبو يعرب المرزوقي، د - الضاوي خوالدية، طلال قسومي، رمضان حينوني، د- محمد رحال، خبَّاب بن مروان الحمد، عبد الرزاق قيراط ، فتحي الزغل، د - غالب الفريجات، عزيز العرباوي، صلاح المختار، مصطفى منيغ، د - صالح المازقي، د.محمد فتحي عبد العال، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، رافع القارصي، حسن عثمان، صفاء العربي، تونسي، د- هاني السباعي، محمود طرشوبي، المولدي الفرجاني، عواطف منصور، عراق المطيري، عبد الله زيدان، إسراء أبو رمان، د - محمد عباس المصرى، د . قذلة بنت محمد القحطاني، أحمد الحباسي، الهيثم زعفان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، فتحـي قاره بيبـان، صلاح الحريري، محمد اسعد بيوض التميمي، هناء سلامة، ياسين أحمد، عدنان المنصر، رضا الدبّابي، د. خالد الطراولي ، سحر الصيدلي، العادل السمعلي، د. الشاهد البوشيخي، سلوى المغربي، د - مصطفى فهمي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. محمد عمارة ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. محمد يحيى ، الناصر الرقيق، خالد الجاف ، أبو سمية، محمد إبراهيم مبروك، د. الحسيني إسماعيل ، مصطفي زهران، عبد الله الفقير، إيمى الأشقر، أحمد بوادي، د - محمد بنيعيش، أحمد الغريب، سفيان عبد الكافي، محمد أحمد عزوز، د- جابر قميحة، أحمد النعيمي، إياد محمود حسين ، مراد قميزة، أنس الشابي، د - شاكر الحوكي ، منجي باكير، سامح لطف الله، محمود فاروق سيد شعبان، د. مصطفى يوسف اللداوي، يحيي البوليني، أحمد ملحم، صفاء العراقي، فاطمة حافظ ، د. أحمد بشير، كريم السليتي، معتز الجعبري، مجدى داود، د- محمود علي عريقات، عبد الغني مزوز، د. جعفر شيخ إدريس ، جمال عرفة، فتحي العابد، حميدة الطيلوش، محمد العيادي، سيد السباعي، د - المنجي الكعبي، سيدة محمود محمد، حمدى شفيق ، الشهيد سيد قطب، أ.د. مصطفى رجب، د. أحمد محمد سليمان، صالح النعامي ، د - مضاوي الرشيد، علي الكاش، د. عبد الآله المالكي، محمد شمام ، رأفت صلاح الدين، محمد تاج الدين الطيبي، د. نانسي أبو الفتوح، د- هاني ابوالفتوح، منى محروس، الهادي المثلوثي، كريم فارق، صباح الموسوي ، شيرين حامد فهمي ، د. محمد مورو ، حسن الطرابلسي، محمد عمر غرس الله، ماهر عدنان قنديل، د. صلاح عودة الله ، نادية سعد، د - محمد سعد أبو العزم، محرر "بوابتي"، د. طارق عبد الحليم، د - احمد عبدالحميد غراب، عصام كرم الطوخى ، عمر غازي، محمد الياسين، بسمة منصور، سعود السبعاني، سوسن مسعود، فهمي شراب، د.ليلى بيومي ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فراس جعفر ابورمان،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة